TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > تلويحة المدى: رحلة مسيحيّ عراقيّ إلى الصين فـي القرن العاشر

تلويحة المدى: رحلة مسيحيّ عراقيّ إلى الصين فـي القرن العاشر

نشر في: 26 نوفمبر, 2010: 05:04 م

شاكر لعيبييذكر ابن النديم معطيات جديدة لا ترِدُ في رحلتي أبي دلف الينبوعي الخزرجي اللتين أشرتُ إليهما في تلويحة سابقة. وقد يضيء لنا بعض معطيات الرحلتين، خاصة لجهة استشهاده برحالة مسيحي عراقي لعله كتب رحلة ضائعة اليوم. توفي ابن النديم أبو الفرج محمد بن إسحاق بن محمد بن إسحاق في 17 أيلول - سبتمبر عام 995 أو 998م. كان ورّاقاً كبير الثقافة. يستشهد عملُه عَرَضاً بنُتفٍ من أحاديث الرحّالة والجغرافيين المسلمين دون أن يكون معنياً مباشرَةً بالأدب الجغرافيّ.
يدلّ حديثه في الفهرست على انه التقى شخصياً بأبي دلف الذي روى له بعضاً من مشاهداته في أرض الهند والصين: "وقال لي أبو دلف الينبرغى [وهذا تصحيف للينبوعي] وكان جوّالة..". لا نعرف على وجه الدقة السنة التي التقى فيها الرجلان، بعد عودة أبي دلف من رحلاته أو من إحداها. فقد كان الرحّالة في سهل شهرزور عام 952-53م وفي قرمسين عام 951-52م، وحسب إشارةٍ في الرسالة الثانية تتعلق بأبي الفضل جعفر السائر ترقى للعام نفسه، يمكن الذهاب إلى أن الرسالة كتبت في السنة نفسها. لذا يمكن الاستنتاج أن اللقاء بين أبي دلف وابن النديم يمكن أن يكون قد حصل في بغداد غالباً بين السنوات 953-960م. لكن إشارة أخرى أكثر وضوحا تشير إلى أن ابن النديم التقى براهب نجرانيّ عراقي ورد من الصين عام 377هـ/ 987-88م واستفسر منه عنها واضعاً معطياته بالتوازي مع معطيات أبي دلف يوحي لنا أن لقاءهما لم يتمّ إلا في وقتٍ لاحقٍ نفترض أنه بين الأعوام 970م و987م. يضيء أبو دلف لابن النديم بعض المشكلات حسب معلوماته. جاء في الفهرست: "ولهم بيت بالباميان، من أوائل الهند مما يلى سجستان [...] وبفَرْجِ بيتِ الذهب بيتٌ وقد اُختلفَ فيه، فقال قوم إنه بيتٌ من حجارة فيه بددة، وإنما سُمّى بيت الذهب، لأن العرب لمّا فتحت هذا الموضع في أيام الحجاج، أخذوا منه مائة بهار  ذهباً. وقال لي أبو دلف الينبرغى  وكان جوّالة، إن البيت الذي يُعرف ببيت الذهب ليس هو هذا ، والبيت في براري الهند من أرض مكران والقندهار، لا يصل إليه إلا العبّاد والزهّاد من الهند، وإنه مبنيّ بالذهب، يكون طوله سبعة أذرع وعرضه مثل ذلك وارتفاعه اثني عشر ذراعاً مرصَّع بأنواع الجواهر، وفيه من البددة، المعمولة من الياقوت الأحمر وغيره...".يكتب ابن النديم البددة، بدالين بالجمع على غير قياس (المفرد بدّ، بُتّ)، ولعله يقصد تماثيل بوذا الذي يُلفظ، كما يبدو، بدال مشدّدة وهاء (أو بدال وذال وهاء) في اللغة الأصلية لذا يُكتب بالحروف اللاتينية هكذا: buddha. ينقل أبو دلف لابن النديم أن تمثال بوذا لا يوجد في الباميان Bamian أو Bamiyan وإنما في براري الهند من أرض مكران Makran،    Mékran والقندهار Kandahār،Qandahār . ويقدّم وصفاً شائقاً للتمثال لا نجدُ وصفاً يماثِله تماماً في الرحلتين.وفي الحقيقة ثمة العديد من تماثيل بوذا في المنطقة المشار إليها. وفي الباميان يوجد تمثال بوذا الكبير، الشهير الذي فجّره الطالبان عام 2001. أما المكران فهي تقع في بلوشستان اليوم بين إيران وباكستان، وعُثر فيها على العديد من الآثار القديمة، منها الكثير من تماثيل بوذا. يتكلم أبو دلف إذنْ عن تمثالٍ آخر لأنه لم يكن قد رأى، كما نعتقد، تمثال بوذا الشهير في الباميان. الغريب أن ابن النديم يقدّم صورة لأحد تماثيل بوذا لم تصلنا، ألا تراه يقول: "وقيل إن الصنم الذي بالمولتان هذه صورته..". ويا ليتها وصلتنا. تمثال بوذا الكبير في الباميان الذي فجّره الطالبان عام 2001.إن جميع الفقرات في مقطع ابن النديم التي تبدأ بـ (وزعم) (وقال: قال لي بعض الهند) (وقال لي أبو دلف) (قال: وقال لي بعض من أثق به) (قال أبو دلف) يمكن عزوها لأبي دلف، ولن نجدها في رحلتيه. يعتمد ابن النديم على راويتين: أبي دلف والراهب النجرانيّ (وقال لي الراهب النجرانيّ) الذي سنأتي إليه.في الفقرة نفسها يعاود ابن النديم بعد جُمَلٍ قليلة الاستشهاد بأبي دلف باسمه: "وقال لي أبو دلف: إن للهند بيتاً بقمار. حيطانه من الذهب وسقوفه من أعواد العود الهنديّ الذي طُوْل كل عودٍ خمسون ذراعاً وأكثر، قد رُصِّعتْ بددته ومحاريبه ومتوجّهات عبادته، بالدرّ الفاخر واليواقيت العظام". وهذه الفقرة غير موجودة في متن الرحلة الأولى، ولعله يتكلم فيها عن تماثيل هندوسية وليس بوذية.بعد ذلك مباشرة يجيء في الفهرست: "قال: وقال لي بعض من أثق به: إن لهم بمدينة الصنف، بيتاً دون هذا وإن هذا البيت قديم، وإن جميع ما فيه من البددة، تُكلِّم العباد، وتجيبها عن جميع ما تسألها عنه"، المقصود بالقائل مرة أخرى أبا دلف، وهنا يذكر شيئاً جديداً عن الصنف (اليوم مدينةٌ في فيتنام) لم يَرِد في متن الرسالة الأولى. ومباشرة بعد هذه الجملة يضيف ابن النديم: "قال أبو دلف: والوقت الذي كنت فيه ببلد الهند، كان المُلْك للمَلِك على الصنف يقال (له) لاجين"، وهي فقرة لا تستقيم تماماً مع ما يقوله الرحالة في المتن المعروف للرحلة الأولى عن لاجين الذي يُسمّى في الرحلة قالين بن الشخير، وهو هناك ملك الصين وليس الصنف، في فيتنام.يردف ابن النديم الحديثَ عن لاجين بالمعطيات التي ذكرها له الراهب النجرانيّ الذي لا نعرف حتى الآن شيئاً عنه. حديث الراهب عن "لوقين"، وهذا اسم جديد

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram