TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > العمود الثامن: أحلام الأب بطرس حداد

العمود الثامن: أحلام الأب بطرس حداد

نشر في: 27 نوفمبر, 2010: 05:30 م

علي حسينيبدو كأن الحلم الذي جاء مع الاب بطرس حداد قد نالت منه الامراض وثقافة الجمود والكراهية التي انطلقت على حين غفلة لتؤكد ان حقائق الحياة لاتشبه احلام الفلاسفة، عندما حل الاب بطرس في  بغداد قادما  اليها من الموصل عام 1966 كان الرجل ذو الملامح الطفولية يحكي لكل من يقابله حكاية جده يوسف الذي حول باحة الدير الى مدرسة جمعت بين المسيحيين والمسلمين
 وكان شعارها لااختلاف في الاديان، فقد كان الرجل العجوز يعطي لطلبته الصغار دروسا في القراءة  والعلوم والاهم في التسامح ومع مرور الوقت تحول الدير الى مدرسة معترف بها اطلق عليها اسم مدرسة شمعون الصفا وكانت من اوائل المدارس في العراق يتردد عليها ابناء الموصل بكل طوائفهم.  ظلت روح المعرفة تلازم الاب بطرس حتى وهو يتقلد ارفع المناصب في الكنيسة الكلدانية، فابن الموصل كان يتمنى حتى اللحظة الاخيرة ان يكتب سيرة حياته للناس، مذكرات يحكي فيها  حكاية اب فقير  طيب وقف في وجه الحياة  مثل الصخر، وأم صامتة لم تكن تحكي همومها الا لجارتها  المسلمة " ام هادي "، واما حكاية الابن فمن مدرسة شمعون  حيث تعلم خط اول الحروف،  الى دير في الموصل، فالى المعهد الكهنوتي،ثم الى ايطاليا حيث يحصل على شهاده عليا في الفلسفة  "كانت لي وقفة مع سحرالفلسفة، وكنت اتمنى لو تتاح لي الظروف لاكتب كتابا فلسفيا عن فكرة التعصب "ومثل كل مفكر كبير كان يدرك ان التعصب مسالة خطيرة اشبه بالافعى ذات الرؤوس المتعددة لا يمكن القضاء عليها بسهولة، لذلك كان يدعو الى تفكيكها فلسفيا وفي العمق،وحيث كان المتعصبون يبنون فلسفتهم على فكرة انه لا يوجد الا دين واحد، صحيح "هنا يكمن قانون التعصب، أو قل هذه هي الفتوى الدينية التي تخلع المشروعية الإلهية على قانون التعصب، وبالتالي على ارتكاب المجازر الطائفية. إذا لم نأخذ هذه النقطة بعين الاعتبار، فإننا لن نفهم شيئا ".اتامل اليوم حياة وكتابات الاب بطرس حداد واسال هل كان الرجل يريد ان يدلنا على حقيقة الانسان العراقي، حقيقة المجتمع  المتسامح حيث تسود تعددية الأديان والمذاهب المتعايشة بسلام؟! قبل سنوات سالت الاب بطرس حداد عن حالته الصحية فقال مبتسما " امرض واكتب، اتالم وافكر، ولن استودع قلمي حتى الرمق الاخير " وبقيت اقرا صحوات الاب بطرس واتتبعه تتبع المحبين والمريدين، اتتبع افكارا ورؤى ارتبطت  بمدى الجذرية التي مارس  بها دوره في الحياة العامة والثقافية، فاكتشفت مدى الاثر العميق الذي استطاع ان يحفره في مجرى الحياة، وقدرته على خلخلة الثوابت الجامدة وزعزعة الافكار السائدة.نشر الأب بطرس الكثير من المقالات الرصينة على صفحات أكثر من (15) مجلة ونشرة محلية وعالمية وبعدة لغات. وله مايقارب الـ (40) مؤلفاً بين تأليف واعداد وترجمة وتحقيق. وكلها كتب تدل على غيرها من الكتب، والتي يتجسد بها المشروع الثقافي المتكامل لبطرس حداد، الاستاذ والانسان والمفكر الذي لم يكف عن تاكيد معنى " التسامح والتاصيل " في معظم كتاباته  التي اصبحت علامة دالة على انجازه الذي لم ينصف للاسف بالمكانة  التي تضعه في موضعه اللائق في تاريخنا الفكري الحديث، ولعل شعورنا بفقده، وغيابه عنا، يدفعنا نحن محبيه الى ان ننجز ماتقاعسنا عن انجازه طوال حياته الحافلة، ربما لانه كان لايكف عن الكتابة والسؤال، ولايستريح من القفز فوق الاشواك ويبذل من الجهد المتجدد ماكان يدفعنا الى الانتظار المترقب لما يقول، وهاهوقال كلمته الاخيرة بموته، تاركا ايانا في حضرة انجازه الخاص الذي يدعونا الى قراءته والكشف عن ثرائه ومدى اضافته النوعية في الانجاز العام لابناء جيله الذي كان وسيظل في موضع الصدارة بينهم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram