عبدالله السكوتي قتلت الوقت في امتطاء ساقي، وقطع مسافة طويلة نوعا ما شاهدت من خلالها التغييرات التي حدثت في مدينة الثورة، (الصدر حاليا) وانا اسير جادا للوصول الى بيت صديقي (احميد الفهد)، فرأيت اهتماما يتفق كثيرا مع المثل الذي يقول:(جفيان شر ملّه اعليوي)،
هناك نخلة منفردة وبعيدة عن اختها، وهناك رصيف مصبوغ الى جانب رصيف مهمل، مع زحام السيارات الذي اصابني وانا الماشي على قدمي بالاعياء، ما يعني ان اهتماما غير مدروس، هو حصة هذه المدينة المكافحة، ليست هناك تغييرات جوهرية، تصليحات وحسب ولم تزل المواعيد محض مواعيد، في حين ان الثورة مدينة تستحق الكثير من الاوسمة؛ وصلت الى الباب الذي اعرفه منذ زمان طويل، وبعد طرقة واخرى، خرج (احميد الفهد) مرحبا وسحبني الى الداخل حيث المدفأة وقوري الشاي الذي لا ينزل عنها ابدا، وهناك على الحائط لوحات وصور واقوال لمشاهير لم يغادروا جدران غرفة احميد الفهد؛ استغرب من مجيئي في الليل، لكنني اعلمته ان قلقا انتابني بعد غيبته الطويلة، فصممت على استطلاع جلية الامر، تجاذبنا اطراف الحديث، فرأيته متذمرا ناقما على الوضع الحالي، فقلت له: ان المستقبل سيكون افضل وسيأتي بالافضل دون شك، بعد ان نفهم حقوقنا وواجباتنا ونتصرف بتحضر، لا يوجد في الدول المتطورة شرطة بعدد مواطنيها بقدر وجود فهم عميق لقضية المواطنة، فقال: لم يبق في العمر بقية لنصبر ولكن مع هذا سنصبر ونرى، وتابع احميد ان هذه المدينة منذ وطأتها في ستينيات القرن المنصرم وهي ما تزال ترزح تحت نير الاهمال والفقر والتهميش، ومع هذا فهي كالحصان الذي اراد صاحبه التخلص منه حينما شاخ، عصية ومشاكسة وقوية، قاطعته وبسرعة طالبا منه ان يسرد حكاية الحصان فقال:يحكى ان حصانا وقع في بئر ماء جافة، وبدأ يصهل عاليا طالبا النجدة وصوته ينبعث بألم واضح، هرع اليه صاحبه لانقاذه، لكنه فكر مليا في كلفة انقاذ الحصان العالية ووجدها كافية لشراء حصان جديد وقوي، فحصانه قد دهمته الشيخوخة، وبعد فالبئر خاوية وتحتاج الى الردم هي الاخرى، فأخذ معوله ونادى بعض الاشخاص وراح يهدم البئر ليدفن الحصان، وبدأ الحصان بالصهيل المصحوب بالألم، وفجأة انقطع صوته، فنظر الرجل اليه ليجده ينفض تراب المجارف عن ظهره ويرتقي عليه خطوة بعد اخرى بعد ان يضعه تحت قوائمه، ويرتفع في كل مرة حتى انتهى الى القمة سالما معافى.قلت:لا احد يريد دفن الفقراء او التخلص منهم، اليس هذا هو مغزى الحكاية، فقال كلا انها تنسحب الى امور كثيرة سأعتمد على قراءتك لها، شربت آخر (استكان) للشاي وغادرت مسرعا، وانا اردد ان العنقاء الطائر الخرافي دائما ما ينبعث ثانية من الرماد، ورددت لنتعلم من الحصان كيف نرتقي على جراحنا، ونجعلها حافزا لنا نحو التطور والرقي، اهذا ما كان يريد (احميد الفهد) ام انني جنحت بعيدا، كلا هو ذا ما يريد فالشدائد صاقلة للنفوس كما يقولون، وما مرّ به الشعب في السنين الماضية وما يمر به سيجعل منه شعبا جبارا يعرف الكثير من دهاليز السياسة ويتحمل الكثير من الهموم والمصائب، ويتجاوزها بثقة وطمأنينة، اليس كذلك يا (ايها السياسي المخضرم، احميّد الفهد) ام ان في الامر دهاليز اخرى اردت تمريرها علي، ومن ثم عدت الى تفكيري الشيطاني وقلت ربما يقصد ان المدينة هي من شاخ؟، ام ان الشعب هو من شاخ؟ وعدت اقول: كلا ليس الامر بهذا السوء وانما هي حكمة تستدعي الصبر والمطاولة، ومن لم يفهم الديمقراطية اليوم سيفهمها غدا وسيعرف ان صوته يساوي الكثير، وفي المرحلة المقبلة سيرتقي الشعب على اخطائه وسيحسم تشكيل الحكومة في صناديق الاقتراع، لانه قرأ كثيرا من الوجوه وعرف صالحه، لكنه لا ضير اذا تعلّم الصبر من الحصان، ولنتعلم من الحصان!
هواء فـي شبك :(لنتعلم من الحصان!)

نشر في: 28 نوفمبر, 2010: 08:37 م







