TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > العمود الثامن: دفاعا عن الدولة المدنية -2

العمود الثامن: دفاعا عن الدولة المدنية -2

نشر في: 1 ديسمبر, 2010: 07:16 م

علي حسينيوم ارسل الامير فيصل الذي اصبح فيما بعد ملكا على العراق رسالته الشهيرة الى عدد من الشخصيات السياسية العراقية يسألهم فيها: ما نوع الدولة التي يرغب العراقيون باقامتها؟ وهل هم متحمسون لدولة يقودها نظام برلماني مدني ام الى دولة يحكمها ملك من خلال الشريعة الاسلامية؟ ويفاجئنا الجواب الذي اتفق عليه معظم الساسة العراقيين آنذاك وهو ان الجميع متفقون على اقامة دولة مدنية قوامها المساواة بين جميع الطوائف.
كان هذا سنة 1917، كان العراق انذاك نموذجا للدولة المقبلة على الحرية، نوابه ووزراؤه من نخبة الناس، عاصمته تزدهر فيها الثقافات والتجارة والمدارس وتؤسس الجامعات، كان الرصافي يوجه خطبته الشهيره لاول مجلس نيابي يؤسس في العراق قائلا: ان الملك لم يخلق لتكون البلاد له، بل هو نصب ليكون خادما للبلاد والعباد، ثم ان الملك لايجوز له مناقضة تلك الشرائع المسنونة على ايدي نواب البلاد، ان ارادة الملك يجب ان تخضع لارادة الامة.بعد الرصافي ياتي الزهاوي الذي يطالب في مقالة ينشرها في صحيفة المقطم المصرية بأحكام العقل وتجارب الامم وقواعد السياسة في حكم البلاد، ويضيف ان على العراقيين ان يبنوا قواعد حكمهم ونظام حكومتهم على احدث ما انتجت العقول البشرية وافضل  ما جاءت به تجارب الامم المتقدمة، كان هذا عراق العشرينيات حين وضع العراقيون على اختلاف دياناتهم عقدا اجتماعيا  فيما بينهم يحقق مصالح الجميع ويدافع عنه الجميع، فما الذي حصل اليوم،ممارسات يقوم بها عدد من السياسيين والمسؤولين يرى فيها الناس مساسا بهوية الدولة المدنية وتماسك نسيجها، حيث أشاعوا مواقف بعيدة عن روح العصر وكأنهم يريدون شد المجتمع العراقي باتجاه آخر.    ان هيبة الدولة هي الضمان الوحيد لايجاد مظاهر العدل الاجتماعي والمساواة السياسية والقانونية بين مواطنيها وهي الإطار المشروع لفلسفة السلطة المدنية والحكم الصحيح  الذي يرتفع فوق الاختلافات الدينية والفوارق الطائفية ويؤمن بأن العراق بلد لكل ابنائه على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم  ‏,‏ فالدولة المدنية هي وحدها الدولة العصرية ومن يقول بغير ذلك انما يبيع الوهم ويتاجر بالشعارات ويدغدغ المشاعر على حساب مصالح الوطن والناس.لقد اثبتت تجارب الشعوب المتقدمة  ان التعايش المشترك والمجتمعات القائمة على التعددية الدينية هي الاسرع في الاتجاه نحو التقدم والأكثر استيعابا لروح العصر والاقدر على امتصاص مظاهر التحضر وعناصر الارتقاء‏,‏ فالتعددية نعمة وليست نقمة لان المجتمعات متعددة الالوان اكثر ازدهارا واشد بريقا امام الغير وأكثر استجابة لروح العصر وتقاليده الجديدة‏,‏ كما ان الاقليات العددية تمثل غالبا مركزا نشيطا في الحياة العامة  وتلعب دورا فاعلا في التطور الاجتماعي، الناس تريد ان تعيش في دولة مدنية قائمة على سيادة الدستور والقانون واستقلال القضاء والحريات العامة وليس على فتاوى وامزجة البعض ممن لا يفرقون بين حقوق الناس وواجباتها .يجب أن نعلي من شعار الدولة المدنية وإلا  فإن الانحراف عن هذا المعنى سوف يؤدي إلى فوضي، ولعل ما يقوم به البعض من خلط بين الدين والدولة  يشكل خطراً شديدا على الحريات. هذه المظاهر التي تمارس في العديد من محافظات العراق تسبب حالة من القلق على مستقبل النظام السياسي، والدولة التي نتمنى أن يحتكم فيها الجميع إلى القانون وقيم الديمقراطية والأخذ بمبدأ المواطنة بين الأفراد ووضع الدين في مكانه المقدس، دون الهبوط به إلى صراعات سياسية .رفع الشعارات  الدينية بوجه البعض انما هو حق يراد به باطل.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram