شاكر لعيبيما الفارق يا ترى بين الشعر والشاعر؟. يا للسؤال الصعب الذي يتمتع مع ذلك بالأهلية الواضحة في لحظة يتكاثر فيها الشعراء ويقلّ الشعر، حسبما نرى بتواضع جمّ وحرقة كبيرة وأمل أكبر.لا يمتلك أحد تعريفاً جامعاً شاملا للشعر. ولا نمتلك نحن أدعياء معرفة ماهيته إلا على وجه التقريب والمقارَبة. إننا أمام فن من أصعب الفنون، لأنه يقوم، من جهة،
على حرية استخدام اللغة المُشاعة ومعرفتها في آن، ومن جهة أخرى على الانغماس بالخيال والمخيال والمتخيَّل الذي يظهر من الخارج وكأنه لعبة مُتْرَفة، لكنه عند التفحُّص يبدو مشعَّاً بالدلائل والحكمة التي لا يستطاع التعبير عنها إلا بطريقة القول اللغوي هذه المسماة شعراً. إننا أمام صفاء ما، أمام صفوة القول، ومنتقاه، وبديعه، وجميله المُشْبَع بالمعاني.rnلكن الشاعر في الذاكرة الثقافية العربية صفة أكثر مما هو صفوة. إنه شخصية مُجْمَعٌ عليها بشكل غامض أكثر مما هو شخص منفرد فرد. إنه منسوب للشاعرية العامة المُعْترَف بها جماعياً وعُرْفياً أكثر مما يُنسب للشعر المخصوص المعتزل غير المُعْترَف به دائماً. ثمة إجماع على تصنيف الشاعر "العام" وتوصيفه أكثر من تصنيف الشعر اليتيم "الخاص". فالشاعر في الثقافة العربية كان، من الوجهة التاريخية، شخصية اجتماعية مُبرّزة، ولم يك شخصاً معتزلاً عن النشاط الثقافي والقبلي والاجتماعي. كان في قلب الجماعة إذا لم يكن صوتها المباشر. حكيم الجماعة أيضاً والمُصَرّح باسمها بالحكمة أو باللذة. لقد ظل التصوّر عن هذا المقام للشاعر فاعلاً حتى يومنا هذا، ومنه يستمد حتى شعراء عصر الأنترنيت قوة الإلحاح في الانتساب إلى "ّالشاعر" وليس إلى "الشعر". إن هشاشة الكثير من الشعر السائد، كما نرى بتردّد كبير، قادمٌ من استثمار مقام الشاعر المترسّخة تاريخياً في ذاكرة الأجيال، وليس الانهماك الحق بصفاء الشعر الذي لا تعرف نيرانه منذ زمن بعيد إلا القلة. لقد تبدّل هذا المقام حتى لو ظل شيءٌ مُزْمنٌ لصيقاً به: قول ما لا يُقال إلا عبر الشعر.rnإنني أعتبر المتنبي شعراً وليس شاعراً. فالنعت الاجتماعيّ، الثقافي، العربي: "شاعر" وقع ابتذال استخدامه على نطاق واسع وأطلق على من هبّ ودبّ في يومه، مثلما يُطلق تقريباً في زماننا الحالي. ولكنه شاعر حق سيُقال لي، وأولئك لم يكونوا شعراء حقيقيين. كان المتنبي في كينونته الوجودية العميقة شعراً، كان خلاصةً شعريةً، وهم لم يكونوا، سأجيب. وهذا الفارق وحده كاف لأن يتمنى المرء أن يكون شعراً وليس نعتاً. الكينونة المثقلة يومياً بالشعرية هي التي تحدّد في نهاية المطاف مقام الشاعر وليس الصفة واسعة الاستخدام. بالقدر الذي يبدو فيه هذا الأمر بداهة فإنه يود أن يضع اليد على جرح الشعر الطالع من وجود مشحون بالشعرية وليس باهتمامات الشرط الخارجي الباهت والتوصيف الجاهز. كان المتنبي حرفياً مثخنا بالشعرية، بالشعر، في أدق التفاصيل. لو أننا خلطنا في الفقرة الأخيرة بين الشعر والشاعرية فلأنهما على ما يبدو جوهر الفاعلية الروحية للشعراء. ولو أننا استبعدنا منها عامدين مفردة الشاعر فلأنه لا يبرهن دائماً على فاعلية حميمة مثلها. ما يبقى بعد رحيل الشعراء الفيزيقي، بعد الموت، ليس سوى الشعر، دون أن يعني هذا أن الشاعر ليس مسؤولاً أمام شروط للحظة التي أقام فيها. شهادته وفضائله الدنيوية ومواقفه ضرورة، بل محرّك خفي قوي من محركات شعره.rnأريد أذنْ أن أكون شعراً أكثر من أن أكون شاعراً. الشعر يمنحني الحرية الداخلية المطلقة بينما يثقلني الشاعر، في الاستخدام الجمعي العربي، بكواهل الادعاء ويفترض فرضيات لا أجد نفسي في حيثياتها على الدوام. الشعر يضع على مائدتي خبز العالم الساخن اليومي، لي وحدي دون شركاء وفي عزلتي الماسيّة، بينما يقترح الشاعر دعوة عمومية على مائدة احتفالية صاخبة تغيب بها ملامحنا الفردانية العزيزة على قلوبنا جميعا. الشعر يدعوني رغم ذلك لمشاطرة القلوب والعقول التي تلامس القليل والكثير في روحي بينما الشاعر، في الاستخدام العربي، فهو طائر مهوّم، لا أرضيّ ولا سماويّ، في فضاء متفوّق لا يُطال ولا نتصل به إلا بعد مجهود لو استطعنا. لنحتفل بالشعر وحده وليس بالشاعر. الشعر ضجيجه قليل والشاعر العربي صخبه كثير.إن استثمار خصائص "الحكمة" اللصيقة تاريخياً بالشاعر العربي، لا تقوم الدلائل عليها اليوم، أو لا تقوم إلا قليلاً، سواء في المفهوم الشائع لمعنى الكتابة الشعرية، أو في موضوعاتها، أو في لغتها ومفرداتها ثم استنكارها للبلاغة الممنوحة معنى متخلفاً تجاوزه الزمن الحالي، لصالح شيء ما زال غامضاً. كما أن تقعيد الشعر بصفته فناً قصير النفس، هايكو عربي، دون معنى عميقاً، واستخداما عابراً سهلاً، وومضة شعورية صدفوية صالحة للمنادمات والمسامرات، وهو ما يبرهن عليه شعر الفيسبوك ببلاغة، يجعل المرء مطمئناً بعض الشيء عندما يركن للشعر وليس إلى الشاعر.من يكتب الشعر سوى الشاعر؟. نعم. لكنه في حينها غائب عن أي خصائص خارجية افتراضية للشاعر بتوصيفه العربي المعروف. خصائص مستثمرة بدهاء على نطاق واسع كما نعلم. الشعر يكتب نفسه بنفسه دون بذخ استعراضيّ ومن غير أبهة الشعراء العرب المكتفين باللقب العزيز، وليس دائماً بالشع
تلويحة المدى: أريد أن أكون شعراً أكثر من أن أكون شاعراً

نشر في: 3 ديسمبر, 2010: 05:22 م







