عبدالله السكوتي قال الجاحظ ان رجلا كان في المدينة قد كثر عليه الدين، حتى توارى عن غرمائه ولزم منزله، فأتاه غريم له يطلبه شيئا يسيرا، فتلطف به حتى وصل اليه وقال له: ماتجعل لي ان دللتك على حيلة تصير بها الى الظهور والسلامة من غرمائك؟ فقال له: اقضيك حقك وازيدك مما عندي ماتقر به عينك، فأرشده بكنس بابه وفرشه، والجلوس على قارعة الدرب،
ثم ينبح بوجه من يسلم عليه، ولايزيد على ذلك، حتى يصير الى الوالي، ففعل الرجل ذلك، وصعد من القاضي الى الوالي وهو مسيطر على نفسه ولم يخطئ مرة واحدة، كان ينبح بوجه اي احد يكلمه، سجن وبثت عليه العيون، وحاول معه جواسيس الوالي، لكنه ثبت حتى اقنع الجميع بنباحه وانه لايستطيع الكلام، نجحت خطته، فجاء غريمه الذي هداه الى هذه اللعبة.مطالبا بما له عليه من مال يسير، فقام صاحبنا ونبح في وجهه، فقال له الرجل: ويلك يافلان وعليّ ايضا...!.، ونحن نقول لغرمائنا الذين هديناهم الى الحيلة والتصرف الحكيم، وباللهجة العراقية: (علينه....!). ومن قبيل المصادفة ان يتلاءم قول الشاعر مع هذه الحكاية حيث قال: اعلّمه الرماية كل يومفلما اشتدّ ساعده رماني وكم علمته نظم القوافيفلما قال قافية هجاني لقد ناضل المثقف والصحفي ورجل الفكر العراقي بعد 2003 وقدم عملا جبارا، استطاع من خلاله ان يثبت ويؤسس لنشوء دولة عراقية جديدة بمعنى الجدة والمعاصرة، فنظّر للديمقراطية ودافع عنها، واغنى بمعلوماته شرحا وتفصيلا الدستور والمسائل العالقة فيه، وفسر بذكاء منقطع النظير اشكالات كانت تمثل معضلة بالنسبة للشعب، مادعا الكثير من السياسيين الى ان يتداول الخطاب الاعلامي الرصين الذي خرج من معطف المثقف او الصحفي، وبعد ان دفع ثمن رأيه وآرائه وخطورة حياته وآثر البقاء في البلاد حين اختار الاخرون الصمت او الرحيل، فقد تحول كثير من الادباء والمثقفين والصحفيين الى شوكة في حلق الارهاب، وعمل بهذا الى تشكيل وعي جمعي كان سببا في عزل الارهاب وعزلته، في ايام محنة العراق الحقيقية، والتي عبرها السياسيون بتضحيات لاتكاد تذكر حين تمترسوا بحماياتهم ومدنهم الحصينة؛ وبعد هذا كله وحين استوثقت الامور جزئيا قلبوا ظهر المجن وانكروا دور المثقف وحجموا دوره وحاربوه في تجمعاته ونواديه الترفيهية ووسائل راحته. وهذه الصفة تكاد تكون ملازمة للانسان حين يتمكن من اموره، ولعب هذه اللعبة سياسيون وقادة وملوك، انتصر العباسيون بقضية نادى بها العلويون وضحوا من اجلها بارواحهم، وبعد ان تمركز حب العلويين في نفوس الناس وتضامنوا معهم لما لاقوا من حيف وجور من بني اميّة، بحيث كانت الشرارة الواحدة تأتي على دولة بني امية، لعب العباسيون دور المساند وابن العم ونادوا بدعوة لم تكن لهم، ومن بعد ان توثقت عرى حكومتهم، قلبوا ظهر المجن وصادروا حق العلويين، ولم يكتفوا بذلك، بل اشبعوهم قتلا وتنكيلا، ولسنا بعيدين عن بدايات البعث في العراق الذي صالح الكرد، واتفق مع القوى الوطنية التي كانت تمتلك رصيدا شعبيا كبيرا كان يؤهلها ان تسقط تجربة البعث ببساطة، ولكنها وقفت بجانبه على اساس وطني ولم يلبث البعث ان قلب ظهر المجن هو الاخر، ونحن بحمد الله لم نصل الى هذه المرحلة حتى الان لكنها بالتأكيد في الطريق حين تضع بعض الاحزاب الدينية باعضائها الممثلين لها بمجالس المحافظات والمجالس المحلية الاخرى وزرا جديدا في عنق الشعب فوق اوزار الارهاب والحركات المتطرفة والموت، كنا نتأمل ان يصار الى اماكن ترفيهية اكثر، وبعض المثقفين كان يمتلك مشروعا ثقافيا وترفيهيا، يتمثل في اقامة مراكز ثقافية ومكتبات كبيرة وكنا ننظر الى ليل بغداد بشغف ننتظر عودته الى لياليها الملاح، لكننا كنا نعيش في وهم كبير، الظلام سيبقى على الارجح ولم يتسن لليل بغداد ان يعود مضيئا، وكتب ايضا على ابي نؤاس ان يبقى وحيدا بلا نديم ينادمه في ليله الطويل بكأس فارغة متربعا على ضفاف دجلة، وصدق الشاعر حين قال: بيني وبين ابن هاني الف مكرمةمن بينها اننا في كأسنا عنب
هواء فـي شبك :(علينه....!)

نشر في: 3 ديسمبر, 2010: 10:18 م







