علي حسين أشفق على السيد كامل الزيدي لأنه لم يستطع أن يفرق بين إدارة أزمة مع الإعلام كان هو سببها، وإدارة مجلس محافظة بحجم بغداد، فالشفقة لا تجوز إلا لمن يتعرضون لمأزق شديد، ذلك أن السيد الزيدي في مأزق حقيقي واختبار سياسي لم يكن يتوقعه.
مواصفات المأزق مفهومة.. فيها المعلن وفيها غير ذلك المعلن، الذي نحتفظ بلحظة إعلانه التي نقررها في الوقت المناسب، فالرجل الذي نال مكانة وشهرة لم تكن متاحة له، أيام "النضال السلبي" حيث ظل لسنوات طويلة لم يعرفه أحد.. أقنعه بعض من حوله بأن يخوض حربه الإيمانية ضد قوى الظلال.. مما جعله يتقمص دور "المنقذ من الظلال". من الأمور المثيرة للعجب، وذات الدلالة الخطرة في الوقت نفسه، ما صرح به الزيدي أمس لقناة العراقية وهو ان الاعتصام الذي قامت به المدى وبمساندة العديد من المنظمات الجماهيرية إنما هو اعتداء على حرية ومعتقدات أهالي بغداد، وانه باستطاعته أن ينظم مظاهرات مليونية تؤيد قرارات مجلس المحافظة. أن يعتبر الزيدي نفسه أكبر من المؤسسات القانونية العراقية، فإن ذلك يمثل تطاولاً منه ليس فقط على المؤسسات ولكن على كل الأفراد العاملين في السياسة العراقية، وأن يظن أن وسائل الإعلام تفتقر إلى المصداقية فإن هذا ليس موقفاً سياسياً بقدر ما هو إهانة متعمدة منه لكل الإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني، بل ولكل مفكري ومثقفي العراق حين يحصر مطالباتهم بأمور تتعلق بالخمور والنوادي الليلية . ومن جانب آخر، فإن هذا الذي يكرره يعبر عن جهل بواقع الإعلام العراقي، ويجسد تعالياً من شخص يظن أن المحافظة تحولت بقدرة قادر إلى ملكية شخصية، في حين أن الواقع يقول إن الزيدي شخص غير قادر على أن يخوض غمار السياسة بالشكل المطلوب.. فتواصله محدود مع الناس و ارتباطه بالواقع المحيط به هش، رؤيته غير واضحة.. كلامه يحمل في طياته التناقض، شعاراته بلا سند، وأفكاره بعيدة عن الناس. لقد كنا نعامل السيد الزيدي بكثير من الرفق، تقديراً لمكانة التيار السياسي الذي ينتمي إليه ، وهو تيار وطني قارع الدكتاتورية وقدم تضحيات كبيرة يحاول البعض استثمارها لمنافعهم الخاصة، فقد ظن الرجل أنه فوق النقد.. فبدأ يطلب من الآخرين تقديس قراراته وأفعاله.. وينظر إلى أي نقد على أنه تجاوز، متهما الإعلام بإثارة الزوابع، من يسمع حديث الزيدي لقناة العراقية وأيضا لقناة آفاق يكتشف أن الرجل يعاني من ردة فعل غير منضبطة دفعته إلى أن يتناقض في كلامه، فمرة يقول إن الإجراء الذي اتخذه المجلس يستند إلى القرار 82 لسنة 1994 وهو القرار الذي بدأت به تباشير الحملة الإيمانية لصدام، ومرة أخرى يقول إن إجراءات المجلس جاءت لمعالجة قرار82 الذي أصدره وطبان وسمح به بفتح الملاهي والنوادي. ولا نعرف نحن ولا المستمعين من هو أول من أطلق شعار الحملة الإيمانية صدام أم مجلس محافظة بغداد. يمكن لمحافظة بغداد أن تنظم تظاهرة ضد النوادي، وضد المثقفين، ولكنها حتما ستعجز عن إقناع المتظاهرين بفوائد البطالة، وبالمنافع التي تعود عليهم من خلال الفساد المالي المستشري، وبرائحة الازبال التي انتشرت في معظم شوارع بغداد. تخيلوا المشهد مظاهرة من اجل الفضيلة يقودها عدد من أعضاء مجلس محافظة بغداد، في الوقت الذي تعجز فيه المحافظة عن توفير سكن لائق وأنساني لعوائل تسكن بيوتا من الصفيح، او معاشا لأرامل ويتامى يعيشون على الصدقات. ساعلن استعدادي أن أشارك المحافظة مظاهراتها المليونية ضد النوادي، وضد الشباب الذين يعبرون بعفوية عن فرحتهم، وضد أن تضاء قناديل بغداد في الليل، لكنني اشترط على أعضاء المجلس أن يشتركوا معنا، نحن المساكين ، في تظاهرة، ضد الانتهازيين والمرتشين ، ضد انعدام الخدمات ، وضد سارقي المال العام. إن تلويح الزيدي للقيام بتظاهرات، مؤشر خطير ، ومحاولته استغلال الدين في التحريض ضد الإعلام والمثقفين مؤشر أكثر خطورة، ولكنه يعني في النهاية دخوله ومن معه مرحلة حرجة حقا.. لأنهم سيواجهون خيارين، إما الخروج سريعا من المجلس هربا من الاحتجاجات ضد سوء الخدمات في بغداد . أو البقاء واللجوء لطريقة "التظاهرات المليونية"، التي تذكرنا بتظاهرات"القائد الرمز". يا الله.. احمنا من تظاهرات كامل الزيدي ، ندعوك ربي أن تقينا من أخطار يفتعلها مسؤولون ينصبون الفخاخ للوطن وللناس.
فــــارزة: تظاهرات كامل الزيدي

نشر في: 4 ديسمبر, 2010: 10:21 م







