وليد الرحال كلنا يتذكر تلك الأيام من أوائل السبعينيات يوم اصدر النظام السابق قراره الشهير بالصبغ بالطلاء سيقان أي فتاة ترتدي لباس الميني جوب الذي كان يعتبر مودة العصر في حقبة الخمسينيات والستينيات وصولا إلى سبعينيات القرن الماضي يومها لم تتراجع تلك الحملة إلا بعد قصيدة عتاب مشهورة أرسلها الجواهري الكبير إلى صديقه وزير داخلية النظام آنذاك مهدي عماش الذي جعل
المطاردات أكثر حذرا بعد أن طالت المدارس والجامعات والحدائق والشوارع وبالطبع كان للحملة مؤيدون على أساس إن الهدف الأساسي هو تربوي وديني ولم يكن احد يرقب ما ستؤول إليه نتائج الحملة المذكورة أكثر من المحرك لها والمراقب لتطوراتها لان المخبّأ (بتشديد الباء) كان أعظم وبعد فترة من انطلاق الحملة إياها انطلقت حملة أخرى أوسع مدى هذه المرة استهدفت الشباب بشعورهم وزلوفهم وكان ملفتا منظر الشرطة العراقية وهي تلاحق ما سمي (بالمخنثين) بمقصاتها وشفراتها وسط الساحات والمدارس والمتنزهات ولقد كان هناك من يفاخر ويباهل بالثورة وحزبها القائد وأدواته التنفيذية التي صارت خلال عهده الزاهر حريصة على سمعة الفتيات من جهة وتحرص على بناء الإنسان العراقي الجديد الرجولي وصاحب الحلاقة (نمرة 4) بعدها بسنوات قليلة انطلق ما قصد إليه النظام بعد أن حلل ردات الفعل الجماهيرية الخجولة في رفضها وهاهو الآن يطارد الناس على ما قصد إليه (الانتماء القصري للبعث) وجرى الاحتساب الجيد لردات الفعل وكيفية التعامل معها بعد أن تم جعل الميني جوب والشعر الطويل كساحات تدريب سلطوي وامني لساحة الحرب الحقيقية. ومثل هذه الألاعيب التي مارسها النظام السابق أكثر من مرة جربها حين كان يعد العدة النفسية للحرب مع إيران وكان يريد تهيئة النفس العراقية على القتل فأنتج مسرحية (أبو طبر) الدموية التي أشاعت الخوف في فرائص العراقيين ولم ولن يعرف احد لماذا أنتج كل ذلك الإجرام وعلام راحت كل تلك الضحايا ولقد اعدم السبب مع من اعدم من المجرمين.من هنا نود أن نثني على جهود جريدة المدى الغراء وبقية مناصريها الشرفاء من شخصيات سياسية واجتماعية بالإضافة إلى جهود منظمات المجتمع المدني في تبني الحفاظ على الحريات العامة وان تجربة الدكتاتورية المريرة علمتنا ويجب أن تعلمنا على أن لا نسلم رقابنا فورا للتحليلات السطحية كلنا نعرف مضار الخمرة وقدسية تحريمها لكن ثقوا أيها العراقيون إن من يمنع الرقص واللهو والغناء ليس حريصا عليكم ولا على دينكم وإننا نعرف كأناس نعيش في العراق ونحيا مأساته أن هناك منغصات في حياة العراقي أهم كثيرا من شرب الخمرة والاستماع إلى الغناء لا تجد طريقها إلى الحل الناري والسريع من لدن كافة المسؤولين لماذا لا يفتل المسؤولون في الدولة عن شواربهم وينتخون لملايين العاطلين والمتسولين والمسحوقين تحت رحمة الإيجارات والساكنين في بيوت الصفيح؟ لماذا لا يلتفت احد إلى الأرض البور فيزرعها والى صدأ الآلات فيشغلها؟ لماذا نلجأ إلى أمور البلطجة والإرهاب والشقاوات والبلاد بالكاد تخرج لتوها من أتون نار اكتوت بما فيه الكفاية بلهيبها؟ هل هذا هو العراق التعددي المؤمن بالقيم الديمقراطية؟ وإذا كانت الديمقراطية تحرم المأكل والملبس وتمنع الأذن من أن تسمع فهل أرادها الأمريكيون إذن للضحك على الذقون أم حرقا للمراحل؟ وإذا كان الإرهابيون قد ضربوا الكنائس ويتأهبون لضرب المواكب وإذا كانت الدولة تضرب المتسامرين في النوادي فقولوا لنا بالله عليكم إلى أين الشعب سيذهب؟إن الذي نريد أن يعرفه الجميع إننا كعراقيين أبناء الأمس القريب نتذكر تلك الممارسات التي أتعبت النظام البائد وأتعبتنا وباختصار شديد زمن التفرد والنزعة الشوفينية وتبييت النوايا عبر ظواهر القول والسطحية مواقف صارت بالية حتى وسقيمة.
نقطة ضوء :ما وراء القرار

نشر في: 12 ديسمبر, 2010: 07:31 م







