نجم واليلكي نعرف مساحة مدينة دبلن، علينا أن نبدأ القصة بالشكل التالي: في نهار مشمس وبينما كنت أتجول في مركز المدينة، رأيت فتاة جميلة تخرج من بوابة "ترينتي كوليج". لم أرها في الحقيقة، إنما لمحت أكثر، شعرها الأسود الطويل، يلمع تحت الشمس؛ الفتاة مرت بي مسرعة، لتختفي بلمح البصر في زحمة الشوارع المكتظة بالبشر والحياة، كما هي الحال دائماً في الأيام المشمسة الاستثنائية في مدن الشمال. هكذا ذهبت الفتاة، وظلت صورتها، أو بالأحرى صورة شعرها الأسود الطويل، عالقة في الذاكرة.
لكن بعد ساعتين التقيت بالفتاة نفسها في زقاق صغير، في مكان آخر تماماً من المدينة. هذه المرة رأيتها تتجه صوبي، وتقول "هيللو"، تبتسم وتضع في يدي إعلاناً صغيراً للاشتراك في إحدى المجلات التي حملت اسم:"الدبلنيون". وقبل أن أقول لها شيئاً ما، كلمة لطيفة مثلاً، تحركت بسرعة لتختفي عني مرة ثانية في زحمة الناس. لكن هذه المرة ليس للابد، لأني عرفت حينها، بأنني مع قليل من الحظ سأراها مرة أخرى. بالفعل رأيتها من جديد وأكثر من مرة: في شارع غراتون، في ستيفان بارك وأخيراً تحت تمثال جيمس جويس في كونولي ستريت، حيث جلست على مسطبة، مستغرقة في قراءة مجموعة قصصية لـ "فرانك أوكونور"، وفي يدها قطعة سندويج صغير، كانت تأكلها بشهية.تلك هي دبلن. رغم مساحتها الصغيرة قياساً بعواصم أوروبية أخرى، إلا أن المدينة تحيا، تموج، تبعث حرارة خاصة بها. أنها تلفت الانتباه، تثير الفضول وتفاجئ المرء، خاصة وأنه لا يتوقع أن تحدث مثل هذه الأشياء عند حافة قارة أوروبا. فحتى وقت قريب كانت ايرلندا تعبر بالنسبة لمعظم الأوروبيين مجرد بلاد تمرح فيها الحيوانات، تأتي منها الزبدة، واللبن الرائب، وأن دبلن هي مجرد قلبها النابض، عاصمة لبلد فلاحي. اليوم تسعى الدولة الجديدة لتغيير صورتها في أوروبا، تقدم نفسها بفخر على أغلفة مجلات المدينة، نجوم غناء وممثلون، رجال أعمال ومعماريون، يُحتفى بهم باعتبارهم الآباء المؤسسين لايرلندا الحديثة. صورة المدينة ذاتها تحاول تغيير نفسها، عندما تستحوذ على شوارعها موديلات بدلات رمادية أنيقة، بماركات أرماني وأيف سانت لوران، وفساتين نسائية بماركة شانيل وكوجي. وبتفاؤل لا يعرض نفسه في المحلات الغالية والمطاعم الأنيقة – كل ذلك يمكن العثور عليه في أماكن أخرى، وربما أفضل – إنما في تعامل الايرلنديين الخاص مع الآخرين، في تصرفهم الواثق الذي لا يخلو من مرح، في استقلاليتهم الواضحة، وبالضحكة أو الابتسامة التي تصاحب تصرفاتهم، خلاصة الأمر: في هذه العفوية، التي لا يمكن رؤيتها في مدن الشمال الأوروبي والتي من السهولة رؤيتها هنا، حتى على وجوه رجال الأعمال الذين يملأون بعد نهاية الدوام حانات مركز المدينة، يشربون جعتهم المفضلة، بربطة العنق المنحلة قليلاً.ربما لا يحمل كل ذلك شيئاً خاصاً بايرلندا، وربما يرى المرء ذلك أيضاً في لندن، على الأقل. في الحقيقة لا تمنح دبلن نفسها بسهولة للغريب، لكي يميزها عن مدن إنكليزية أخرى: بنايات من القرميد الأحمر، السيارات تسير بطريقة معاكسة، المقود عند اليسار، سمك مقلي مع البطاطا المقلية، الباص ذو الطابقين، سترات التويد الرجالية. نعم ربما كل ذلك بشكل ما إنكليزي، ولكي يعرف المرء الفوارق، عليه أما أن يكون ايرلندياً أو، وتلك هي المفارقة الخاصة بدبلن، عليه إن يكون كاتباً ورحالة؟ وإلا من الصعب عليه تمييز هذه المدينة عن باقي مدن العالم، ناهيك عن المدن الإنكليزية الأخرى.دبلن تميز نفسها في مركز المدينة: في السوق. ربما لا يثير للوهلة الأولى منظر أولئك البشر الذين استرخوا عند جدران البيوت، الذين جلسوا هناك، يبيعون بضاعتهم، لأن منظرهم مألوف، وموجود في كل العالم. لكن بينما يعرض الباعة في سان فرانسيسكو أعواد البخور، وفي سايغون السمك المجفف، وفي بوخارست أوراق الاعتماد المصرفية المفلسة على شكل كيلوات، وفي مكسيكو سيتي قناني الشراب المعبأة بالأفاعي السامة، وفي مراكش السجاد، وفي فاس الجلود المدبوغة، وفي ماكوندو دهن دموع الدلافين، يبيع المرء في دبلن الكتب، ولكن مهلاً، الكتب تباع في بغداد أيضاً، في شارع المتنبي، ولإزالة كل سوء فهم يجب توضيح الأمر: في دبلن يبيع المرء بالذات الكتب التي كتبها بنفسه، كما يفعل السيد "بات إنغولدسبي". الرجل الملتحي، الأشيب صاحب الكتفين العريضين، الذي لبس سترة التويد، بينما مسك في يده الأخرى قطعة من البلاستيك (تحسباً للمطر)، والذي وفق في ويستمورلاند ستريت، ليس بعيداً عن بنك أيرلندا. السيد إنغولسبي يرفض رفضاً قاطعاً السماح ببيع كتبه في مكتبة لبيع الكتب ولا يريد التوجه إلى دار نشر أخرى غير دار نشره الخاصة به. وعلى دور النشر أن تسأله إذا أبدت اهتماماً بما يكتبه. هكذا يجب أن تسير الأمور، الكاتب يحترم نفسه، وبات إنغولودسبي يعرف ذلك، لأنه ايرلندي. وعندما يسأله عابر السبيل، عن كتبه وبالذات عن موضوع الكتاب الذي بين يديه، الذي حمل عنوان "أخوات الفضيحة"، يجيب، "أيها السيد، لماذا تسألني؟ كل شيء ستقرأه في الكتاب، اشتري الكتاب ببساطة Sir، حينها ستعرف عما يدور الكتاب"، بات إنغولوسبي يلقي جمله بصورة مهذبة، بلهجة خالية من الترويج. أنه لا يحترف الترويج، أنه كاتب، مثل العديد من إخوانه بالمواطنة من الايرلنديين.هناك أمران تتناقلهما الألسن ومنذ سنوات ويشكلان العلامت
منطقة محررة: دبلن هنا بدأ أدب القرن العشرين

نشر في: 14 ديسمبر, 2010: 05:09 م







