TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > منطقة محررة :الـمنقــذ من مــرسـيـلــيــا

منطقة محررة :الـمنقــذ من مــرسـيـلــيــا

نشر في: 21 ديسمبر, 2010: 05:42 م

نجم والي في مرسيليا انتشرت الإشاعات مثل نار مشتعلة، فجأة أنه هناك، وصل الرجل الذي يستطيع المساعدة، "مثل ملاك هبط من السماء، بحقائب مليئة بالفلوس وجوازات السفر". كما هو الحال مع بقية الإشاعات عادة، رغم أن الجملة تلك لم تحمل الكثير من المبالغة. لأن "القيل والقال" هنا يستند على نواة حقيقية. الرجل كان موجوداً بالفعل.
كان اسمه فاريان فراي. لم يكن طبعاً ملاكاً بالمعنى الحقيقي، كان يشرب ويحب الاحتفالات. أيضاً لم يملك كل هذه الكمية من النقود، فقط بعض المئات من الدولارات، أما الجوازات فعليه الحصول عليها أولاً. لكن الأجنحة التي يحتاجها ملاك ما، نمت عنده بعد 13 شهراً، والتي جلبها معه إلى جنوب فرنسا، لتصبح حقيقة في المرحلة الأولى بمساندة وزارة الخارجية الأميركية، ثم بالاعتماد على نفسه.مرسيليا 1940 هنا جاءوا كلهم سوية: لاجئون سياسيون، فنانون، يهود، شيوعيون، فرنسا كانت مقسمة، وكان هناك الجنوب المحكوم بشكل ذاتي تقريباً. لكن الألمان ضمنوا اتفاقية وقف إطلاق النار بـ" أن جميع الألمان المقيمين في فرنسا يجب تسليمهم عند طلب الحكومة النازية ذلك"، أمر يعني عملياً نهاية اللجوء السياسي لآلاف من الألمان الذين هربوا من جحيم النازية. مرسيليا، البوابة المفترضة للعالم، تحولت إلى مصيدة فئران. لم تعد السفن تبحر إلا في النادر، ومن أجل الهروب باتجاه شمال أفريقيا، أو نحو البرتغال عبر الطريق البري، يحتاج المرء إلى الكثير من الأوراق. الأوراق القديمة التي كانت بحوزة اللاجئين لم تعد صالحة للإستعمال منذ الاتفاق النازي مع حكومة فيشي الفاشية. في ذلك الوقت جاء فيريان فراي، الشاب المتحمس، خريج جامعة هارفارد والصحفي. آلما مالير (زوجة الموسقار النمساوي المعروف غوستاف مالير) تعلق بسخرية منه، عندما تكتب في رسالة لها، "الأميركي ما يزال ورقة خضراء طرية، لا أدري إذا كان واحد مثله قادر بالغعل على حمل حقائبي الـ 17 عبر الحدود دون إلحاق أي ضرر!!".عام 1935 عمل فراي مراسلاً صحفياً في برلين، عاش وشاهد بعينيه الملاحقات التي تعرض لها اليهود في شارع برلين الرئيسي "كورتفورستدام"، وهذا ما كتب عنه في حينه في صحيفة "نيويورك تايمز"، "بالفعل، قال لي أحد الشباب، ما يحدث هنا هو نوع من الإحتفال بالنسبة لنا". "لجنة الإنقاذ السريعة" هي التي أرسلت فراي في صيف 1940 من نيويورك إلى ميرسيليا، بعد أن زودته بقائمة أسماء 200 شخصية معروفة، بينهم فنانون وكتاب، كانوا مهددين – وكان هو عنده بشكل ما تصوراً ساذجاً عن الكيفية التي يستطيع فيها المرء إنقاذ كل هؤلاء اللاجئين عبر الحدود الأسبانية. الأسابيع الأربعة التي كان يعتقد أنه يحتاجها لكي ينجح بذلك، أصبحت 13 شهراً، أما القائمة التي ضمت 200 اسماً مشهوراً فقد توسعت وأصبحت تضمّ 1800 اسماً في المرحلة الأولى، ثم لتضم لاحقاً 4000 إسماً. أما خريج جامعة هارفريد فقد تحول بين ليلة وضحاها إلى منقذ سري، والذي أصبح من الواضح له بسرعة، بأنه عن طريق الطرق الدبلوماسية الشرعية لن يستطيع التأثير كثيراً. بدلاً من ذلك عمل كل ما في وسعه لكي يحصل على جوازات ووثائق مزورة، وعلى العثور على طرق تهريب بديلة، أو البحث عن مخابئ سرية للمطلوبين، فضلاً عن ذلك فقد بنى شبكة من 10 إلى 15 مساعدين جريئين حد الموت.أخيراً نجح المتحف الفعال للفاشية والمقاومة في برلين بتنظيم معرض رائع لفاريان فراي. أكاديمية الفنون شاركت أيضاً في المعرض، خصوصاً، وأنها أي الأكاديمية، إجتمعت بفرعها الأدبي في اليوم الذي تسلم فيه هتلر السلطة عام 1933 في المبنى الذي يضمن المتحف اليوم، في ذلك الوقت جلس في المؤتمر الأدبي ذلك، هاينريش مان، ليونهارد فرانك، فرانتز فيرفيل، ليون فويشتفانغير وألفريد دوبلين، جميعهم غادروا برلين باتجاه المنفى، وجلسوا لاحقاً في عام 1940 بلا حيلة عند الحدود الإسبانية.يحاول المعرض منح الزائر صورة قريبة، لكن  دقيقة عن طرق الهروب عبر جبال البرنيه التي تفصل إسبانيا عن فرنسا. والطريف، أن المرء يمكن أن ينظر من أحد نوافذ صالة العرض باتجاه السفارة الفرنسية في برلين، والتي تقع على الجانب الآخر من ساحة باريس، حيث يقع المتحف وبعض السفارات الأخرى، السفارة الأميركية الجديدة مثلاً. لكن فرنسا كانت البلد المنفى للأدباء والفنانين الألمان في السنوات الأولى من السيطرة النازية، وسفارتها في باريس كانت القبلة التي توجه لها مئات اليائسين.فراي نفسه منح جميع أولئك الذين ساعدهم عن طريق تهريبهم جملة قالها في وصفهم، "تصوروا، أن كل أولئك هم ذوات إنسانية طوردوا في نصف أوروبا والآن يقفون والبحر في ظهورهم"، الجملة هذه ذاتها تبناها المعرض عنواناً له.لهذا السبب لا يريد منظمو المعرض تحويل شحصية فراي إلى شخصية أسطورية، أنه أكثر من ذلك، بالنسبة لهم نقطة العقدة الشخصية التي دارت حولها أقدار إنسانية، أنه مدير شبكة عمل عملت مثل خلية نحل، وبدون ذلك لكان أميركي يائس، بلا حيلة، يعيش في ميرسيليا.ومن أجل تقديم بروتريه عن فراي يكفي قراءة ما ما كتبه الكاتب الألماني هانز سال الذي عمل في مكتب فراي ليوم واحد: " الساعة 9.02: الأسطة! يسمح لنفسه بشق الطري

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الكهرباء تحدد موعد تشغيل الربط الخليجي ومنصة الغاز.. والجباية ترتفع إلى 44%

من التراث العالمي إلى العطش.. أهوار ميسان تحتضر

غبار كثيف يجتاح البلاد السبت.. نصائح عاجلة

هيئة النزاهة تشكل فريقاً للتحري عن حادث الزعفرانية

واشنطن تهرب آلاف أجهزة "ستارلينك" إلى إيران سرًا

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram