عبدالله السكوتييحكى ان احدهم سقط من سطح داره، وكسرت ساقه، ما اضطره الى الرقود في البيت، وبحسب التقاليد الجارية لابد من عيادة المريض، فأوصى الرجل زوجته الا تدخلي عليّ الا من عانى مثلي وسقط من سطح الدار، فكان كلما طرق الباب هرعت المرأة الى فتحه، لكنها كانت تسأل الطارق:
هل سقطت من السطح؟ فان قال لها كلا كانت تصرفه وتقول: ان زوجي نائم، واستمرت على هذا الحال، الى ان جاء يوم فطرق الباب احدهم، فقامت المرأة وسألت الطارق: هل سقطت من السطح؟ فقال: نعم، فأدخلته على زوجها، فسلم عليه الرجل وقال له: كيف حالك يافلان (بسيطه ستقوم بالسلامة ان شاء الله) وخرج، عند ذلك سألته زوجته: ما العبرة في ألا تدخل عليك سوى من سقط من السطح؟ فقال: لانه عانى مثلي، ولانه يعرف ما مر بي، فيغنيني ولايزعجني في سؤاله: كيف سقطت؟ ولماذا سقطت؟ ومتى سقطت؟، وهل انت اعمى ولم تر طريقك؟ وعلى اي جنب سقطت؟ وهكذا. وهذا الرجل من المؤكد قد اقتدى بقول الشاعر الذي ناغاه في طرحه حين قال: لايعرف الشوق الا من يكابده ولا الصبابة الا من يعانيها وهذه قاعدة حياتية حتى قالوا: (لايدري بدرد الجوعان الا الجوعان)، وهذا ايضا ينسحب على العشاق، فالعاشق يعذر العاشق حين يجن، وقصة الفتاة التي عذلت امها لمنعها من ملاقاة حبيبها معروفة حيث قالت: (عساج ابحب اخس مني) واخرى مشابهة لها سألتها: ألم تعشقي حين كنت شابة؟(يايمه شنهي اشبيجاشمالج جفلتيمن شفتي يمي اهوايجا ما عشكتي؟) وفي المصائب ايضا لا يعرف عمق مأساتك الا من تعرض لما تعرضت اليه، ولذا ترى عاطفته جياشة تجاهك، وهذا ايضا لاحظناه في البكاء المر الذي يرافق المراسيم الحسينية من قبل بعض الاشخاص، وحين تسأل عن ظروفه تجده قد فقد عزيزا، وكان بعضهم يسخر من زميل لي ويقول له: ان اباك حين يدخل الى المجلس، ويأخذ مكانه بين الناس، لايلبث ان يبكي لمجرد أن يقول الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، فكان يصمت لانه يعرف مافقد ابوه، وكذلك الغناء العراقي الحزين المشرب باللوعة والمأساة، وحين تسأل عن اللوعة يأتيك الجواب: من الظلم والاضطهاد والمصادرة، لاتجد غناء ينتهي بالبكاء كالغناء العراقي لمطرب يقول:(يا بويه) وهو نداء الندبة المأخوذ من:(وا ابتاه). ولذا ترى الانسان العراقي يحن الى شبيهه في المأساة فيتعاطف مع الشعوب المغلوبة، وتهزه مصيبة او تفجيرات تقع في اية دولة لأنه عانى القتل العشوائي، وكذلك يحن الى الجياع ويواسيهم بمشاعره، لانه عانى الجوع، وهذا ماحدث، حين غادر (علي) العراق الى الاردن واشترك في نقاش مع احدهم، كان نقاشا عقيما على قاعدة ان الرجل لم يسقط من السطح ولذا ختم علي كلامه معه حيث قال له: اسقطت من السطح؟ فقال لماذا تسأل مثل سؤال كهذا؟ فقال له علي: لانك لاتفهم ما ساقول لك ان لم تسقط من السطح، وسيكون كلامي معك هواء في شبك، لايعرف مصيبتنا (الا الواكع امن السطح).
هواء فـي شبك: (واكع امن السطح)

نشر في: 25 ديسمبر, 2010: 07:55 م







