علي حسين يذكر كاتبو سيرة نوري السعيد أشهر رئيس وزراء في تاريخ العراق، أن الرجل كان يقابل تصرفات بعض الساسة ونزقهم وتهورهم بأن يرفع يديه إلى السماء قائلا : "اللهم أشكو إليك زعاطيط السياسة"، يقول أستاذنا المؤرخ رشيد الخيون إن مفردة "زعطوط" عراقية آرامية خالصة وتطلق على الشخص غير الناضج. اليوم نواجه بعضا من هؤلاء الذين اتخذوا من السياسة مهنة يتربحون من خلالها، فيما السياسة الحقيقية تخاصم تصرفاتهم وسلوكهم وكلامهم.
مضحكة هي تلك المصطلحات التي يبتدعها بعض حديثي السياسة. ومنها مؤخرًا مصطلح "المواطن ذو الأخلاق الحميدة"، وهو بالطبع يختلف عن المواطن المشاغب الذي يصدع رأس الحكومة بطلباته المستمرة وبشكواه من انعدام الكهرباء وأزمة السكن والبطالة والنفايات التي ملأت مدننا والمحسوبية والرشوة والانتهازية وعصابات كاتم الصوت وسراق المال العام، فهذه أمور لا تدخل في اختصاص بعض السياسيين لأنهم من واجبهم أن يصدّر للعالم مواطنين مهذبين، يرفعون شعار "لا أرى، لا اسمع، لا أتكلم".عقلية مبتكرة هذه، التي تقف وراء عناد و إصرار بعض مجالس المحافظات في سلب الحريات، وبالتأكيد أن الذي يقود حملة تحويل مدن العراق إلى ولايات من القرون الوسطى ينتمي قلبا وقالبا إلى السياسيين الذين رفع نوري السعيد يده بالشكوى منهم. ما علينا، لنفترض جدلاً أن الجماعة، أعضاء حملة الأخلاق الحميدة، قرروا فعلاً أنهم سيستمرون في هذه اللعبة التي يسمونها "الحفاظ على الأخلاق العامة"، هل سيكتب كل منهم في كارته الشخصي "فلان الفلاني.. عضو لجنة الحفاظ على الأخلاق" ومن سيكون رئيس هذه اللجنة؟ هل سيتركها مجلس محافظة بغداد، لمجلس محافظة البصرة، أم أن مجلس بابل سيدخل منافسا شرسا لهم.. أم سوف يستولي على المنصب مجلس محافظة واسط كونه يملك منجزا تاريخيا، فهو صاحب القرار الشهير بتعيين محرم لكل عضوة في المجلس. وصل اليأس بالناس إلى أن أصبحت لا تبالي بما يجري حولها من أفعال، يخرج علينا البعض من على منابر الفضائيات وهو يطلب من المثقفين أن يعودوا لجادة الصواب وينظروا في بطاقات الأحوال المدنية ليتأكدوا من أنهم "مسلمون" وان يعترفوا بهذا الانتماء وكأنه يخطب بقوم من أقوام الجاهلية، هكذا وببساطه ينصب نفسه قاضيا شرعيا في أمور الدين، في وقت يحتاج البلد فيه إلى شجاعة واعتراف من نوع آخر، اعتراف بأخطاء ارتكبت في الماضي، وبكتابات وأفعال مجدت الطاغية حين جعلت منه آخر الفاتحين.أمام الشعب العراقي اليوم تحد كبير من اجل الخروج من عالم الوصاية السياسية والطائفية والزعامات التقليدية إلى عالم الديمقراطية وتنافس الأفكار والرؤى، وان يدرك المواطن أن مهمة السياسي هي قدرته على مواجهة الأزمات وطرح برنامج جاد والتعامل مع قضايا التعليم والصحة والخدمات والبطالة والغلاء، هذه هي الديمقراطية، محاسبة السياسيين على أفعالهم تجاه قضايا الناس، لا أن يحاسب السياسي الناس و ينصب نفسه وصيا على حياتهم، ولكي نؤسس لديمقراطية حقيقية لابد من مناقشة البدائية السياسية التي يتمسك بها بعض السياسيين ونسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، فهناك فرق بين بناء دولة مدنية تحمي وتصون حقوق المواطن وتسعى للسير بالوطن إلى آفاق التقدم والتحضر والازدهار، وبين دولة ترفع شعارات زائفة للديمقراطية توهم الناس بأنها -أي الديمقراطية- مجرد انتخابات وفضائيات وتظاهرات، وإذا كنا جادين في الحديث عن مستقبل هذا البلد لابد من فضح خفافيش الديمقراطية، وإلا سنصبح مثل نوري السعيد، لا خيار أمامنا سوى أن نرفع أيدينا صارخين "اللهم نشكو إليك زعاطيط السياسة".
فــــارزة :اللهم نشكو إليك "زعاطيط" السياسة

نشر في: 26 ديسمبر, 2010: 10:24 م







