عباس الغالبيلعل الاتفاق الأبرز الذي أفضت إليه العملية السياسية ومخاضاتها الماراثونية هو الوزراء غير الاختصاص في التشكيلة الأخيرة وبنسبة فاقت الـ 95%.ولعلي لم اتفق في الوقت ذاته بالمقولة التي تقول إن الوزير قرار سياسي، فهو قرار فني ومهني واختصاصي لاسيما وان العراق حالياً أحوج ما يكون إلى الكوادر المتخصصة وخاصة في الوزارات الاقتصادية بسبب الحاجة الملحة للوزير الاختصاص الذي يفقه بأمور وزارته بشكل دقيق وكفوء في آن واحد.
وسأترك هنا الوزارات الأخرى لمناسبات أخرى، وأعرج على وزارة المالية التي لا يمكن لها في جميع الأعراف المهنية في دول العالم كافة المتطورة والنامية والضعيفة اقتصادياً على حد سواء أن تدار من قبل وزراء غير اختصاص، ونحن هنا لا نقصد شخص الدكتور العيساوي بعينه بقدر ما نتحدث عن المبدأ العام في استيزار وزارة مثل المالية، وكم كنت أتمنى أن لا يقحم العيساوي نفسه في هذه الوزارة، وينصرف لأمور السياسة التي أطل فيها خلال الفترة الماضية سياسياً متزناً حاذقاً، ولكنها قد تكون لعنة السلطة التي تلاحق الكثيرين في هذا الزمن الانتقالي إلى فضاءات الديمقراطية. وزارة المالية أمامها تحديات كبيرة على المستويين الداخلي والخارجي خلال الفترة المقبلة، حيث أن الأمر يتطلب على المستوى الخارجي كيفية إدارة ما تبقى من ملف المديونية والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبند السابع وإمكانية الخروج من طائلته، والمديونية لا تتعلق بديون وتعويضات الكويت فحسب بل ديون القطاع الخاص والأفراد الآخرين، هذا فضلاً عن إمكانية إدارة ملف الموارد المالية حيث سيخرج العراق بعد ستة أشهر من سيطرة صندوق تنمية العراق الذي يعد مستودع وخزين العائدات المالية من الصادرات النفطية، حيث من المؤمل أن تمسك وزارة المالية بزمام الواردات، وكذلك ما يتعلق بإدارة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث أن هذه الأمور كلها تتطلب حرفنة ومهنية عالية وخبرة في التعامل المالي والمؤسساتي.أما على المستوى الداخلي فأن الأمر يتطلب أن تشرع وزارة المالية بإيجاد ستراتيجية واضحة المعالم لإصلاح المنظومة المصرفية والتي تتطلب الكثير من الجهد والفهم الدقيق لحيثيات النظام المصرفي الحالي وكيفية إصلاحه بما ينسجم مع متطلبات العصر والتطور الذي أصاب النظام المصرفي العالمي، مع عدم إغفال الدور المهم والكبير الذي يفترض أن تضطلع به المصارف الخاصة، لاسيما وان العراق مقبل على فاعلية استثمارية هائلة تتطلب وجود منظومة مصرفية قادرة على التجاوب مع متطلبات المرحلة الحالية، هذا فضلاً عن الكيفية والرؤية الثاقبة لصياغة موازنة عامة بشقيها التشغيلي والاستثماري تتجاوب مع حاجات القطاعات الاقتصادية والثقافية والخدمية والاجتماعية وحتى السياسية، وليس بالضرورة أن تكون هذه الموازنة سنوية بل قد تكون من قبيل المتوسطة والطويلة الأمد، حيث يترسخ هنا العمل المؤسساتي المالي الذي ينأى بنفسه عن البعد السياسي المتغير.وفوق هذا وذاك فأن التحدي الأهم هو عملية التنسيق بين السياستين المالية والنقدية وما يرتبط بهما من رؤى اقتصادية أخرى تأخذ بعين الاعتبار حاجات و أهمية القطاعات الاقتصادية الأخرى.هذه بعض من التحديات التي أراها الأهم في عمل وزارة المالية، أليست –سادتي- أنها تتطلب اختصاصا دقيقا يقود دفتها خلال المرحلة المقبلة، لاسيما وان العراق الحالي زاخر بالكفاءات المستقلة ممن هم قادرون على قيادة دفة المالية بكفاءة عالية، أمثال سنان الشبيبي واحمد ابريهي ومظهر محمد صالح، فهم نجحوا أيما نجاح في رسم وتطبيق سياسة نقدية لها انعكاساتها الايجابية على واقع الاقتصاد العراقي، لكنهم بعيدون عن لعنة السياسة التي خلقت حكومات محاصصية لا تعير أدنى اعتبار للشعارات الانتخابية التي اتفق عليها الجميع من ساسة اليوم بضرورة اختيار حكومة كفاءة واختصاص، وهم منها براء.
فــــارزة: المالية.. إلى أين تسير؟

نشر في: 27 ديسمبر, 2010: 08:28 م







