عبدالله السكوتي وهذه الحكاية تشير الى ان الكثير من المبذول، محرم على البعض في حين هو رخيص وفي متناول يد البعض الآخر، وربما يذهب الى التراب وهو شحيح وعزيز عند غيرهم، ويحكى في هذا ان ضابطا من ضباط الجيش العثماني في ابي صخير من الفرات الاوسط يدعى (حسين اغا) كان مغرما بفتاة (معيدية) ولكن غرامه بها لم يلق منها تجاوبا، فكانت تصده، وفي احد الايام كان (حسين اغا) سائرا في طريقه، فأبصر حبيبته جالسة بين النخيل، فصاح بأعلى صوته:(للتراب ولا لحسين اغا).
وفي بعض الأحيان للبحر ولا في جيب الشعب، فقد تسلك دولة ما سلوكا اقتصاديا يجعلها بحسب نظرية العرض والطلب ترمي للبحر كثيرا من غلاتها الزراعية، وايضا ممكن ان ترمي دولة من الدول اموالها في البحر او تدفنها في التراب، بقناعات منقوصة وبتقسيم جائر بين الناس، وفي كتاب أفواه الزمن للكاتب ادواردو غاليانو، وتحت عنوان السارق والمسروق، انه وفي اميركا اللاتينية، كانت الدكتاتوريات العسكرية تحرق الكتب الهدامة، والآن في الديمقراطية، يجري إحراق دفاتر الحسابات، وكانت الدكتاتوريات العسكرية تخفي آثار الناس، اما الدكتاتوريات المالية فتخفي آثار الاموال، وهنا ينتهي كلام غاليانو، وفي هذا المعنى نستطيع ان نرى ان الدكتاتوريات ممكن ان تكون متعددة ومتعاقبة، منها الثقافية ومنها السياسية ومنها المالية، وبمعنى آخر ان الخلاص من الدكتاتورية السياسية واستبدالها بالديمقراطية لايعني عدم وجود دكتاتوريات اخرى، وفي الاغلب فان الديمقراطية تحرص دائما على تطبيق منهجها السياسي وتعتبر ان المناهج الاخرى هي تحصيل حاصل له، ولذا كثيرا مانرى عمليات الاختراق في هذه الجوانب، فنأتي باللوم على الديمقراطية جملة واحدة بدون تجزئة لاهتماماتها، في حين نعرف ونرى ان ازالة الجمود الذي اصاب الناس من جراء عصور الظلم والاستبداد يحتاج الى وقت كثير، ولنضرب مثلا على ذلك، فيما حدث في بداية التغيير ونتيجة لجوع الناس لرؤية الجديد هرعت لاقتناء السيارات من الاردن وجاء البعض بموديلات حاليا لايعيرها اهتمام احد من الناس. وعلى اساس الثقافة والتفكير والتآزر، فلا وجود للشك في ان العراقيين يمتلكون الذهنية الجمعية، ولكن الهاجس الذي تملكهم ان دولة اخرى ربما تتمتع بأموالهم، فلم يوافقوا (حسين اغا) وذهبوا ليأخذوا قسما منها بدلا ان يتركوها للتراب، وطغى التفكير بالانا فصارت النكسة التي جذرت لتصرفات الكثيرين فيا بعد، ومن اجل العودة الى الخلف علينا ان نمسح من هذه الذهنية سنوات الجوع والفاقة وعدم الثقة بمؤسسات الدولة، واعطائها الامل في ان تقلبات الوضع الاقتصادي العالمي لاتؤثر عليها سلبا، فلا انخفاض في الدولار يفقر البعض، ولا ارتفاعه يغني البعض الآخر كما درجت عليه سنوات القمع والتضليل في تسعينيات القرن المنصرم، وهذا يعني استقرار الناس وثقتهم بالمنهج الديمقراطي حري باعادتهم الى التفكير الجمعي وترك الأنا، يساعدهم في ذلك توعية جماعية واطلاع على تجارب العالم المتحضر، والتخلص من هاجس التشكيك في الاخر والانفتاح على العالم، وعدم التشرنق بفكرة محددة واحدة، وبفكر واحد تقدس من خلاله الموروث، واللجوء الى اسلوب التطوير بدل الامتحان والاختبار، كلنا نكتب من اجل الامتحان ونعمل من اجل الامتحان، ونقرأ فقط لاجل الامتحان، لتغدو الحياة باجمعها وتثبت في اذهاننا هي عبارة عن امتحان وليست للتطوير والتطور، وهذا يصب في اقتراحات بعض النواب لاختبار المعلمين وتعريضهم للامتحان، ما يعكس عدم ثقة كبير، والاولى بهم ان يقترحوا ارسالهم في ايفادات كغيرهم من الموظفين للتطوير والاطلاع على تجارب العالم المتمدن في التربية، حتى لاتكون الاموال للتراب وبعيدة عن فم حسين اغا.
هواء فـي شبك :(للتراب ولا لحسين اغا)

نشر في: 28 ديسمبر, 2010: 08:29 م







