علي عبد السادةنجح مجلس محافظة بغداد في اختزال الحريات بالخمور واقتراف تشويه المفاهيم بلغة الترهيب، لكنني اشك في انه يدرك مخاطر تطويق وجهة بناء الدولة المدنية. حتى تلك المفاصل المهمة في كتابة التاريخ لا تبدو في مكانها الصحيح في هذه البلاد. بامكان النافذين والماسكين بخيوط اللعبة العراقية توجيه الانظار الى الصورة الخاطئة.
عادة المنقلبين على شعارات الامس اجتزاء النصوص واختراق الدستور وتأويل الحاجات وتحويل المصالح الى تهم ونزوح الى الفجور.لذا فان معارك من قبيل الدفاع عن الحريات لا تبقى في اطار الجدل الصحي. هؤلاء محترفون في تحريفها، انهم يمتلكون القدرة على ارسال اشارات مقلقة؛ فمثلما يطمئنون جمهورهم، من منظور فئوي، على انهم يدافعون عن (مصالحه)، يرهبون ويخيفون الطرف المعني بالصراع ويحاولون ان يصوروه طارئا غريبا عن المجتمع، على امل التراجع.هذا (السلاح) الشاذ المنخرط في معارك كتابة التاريخ يكشف حقيقة القوى الصاعدة الى صناعة القرار، يزيح الستار عن قوى لا تحبذ الحوار، لا تتعايش مع المختلف، بل لا تراه مواطنا بمعنى انها لن تمنحه الحقوق ولا تعتبره موجودا. وبالتوازي مع افعال الاقصاء هذه تضخ هذه القوى في العقل الجمعي لجمهورها فكرة إلحاد المدافعين عن الحقوق المدنية، وبامكانها اباحة دمائهم، الامر لا يكلف سوى كلمة مشحونة بالعصبية ومتلبسة بالايحاءات المخيفة.وإلا كيف نقرأ سلسلة اشارات بدأت من النية بـ"زلزلة الارض تحت اقدام المدى"مرورا بنعتها بالموبوءة واخرها الدعوة الى منع الصحفيين العاملين فيها من السفر. كل هذا لان (ثلة) مثقفين اعربوا، فقط، عن قلقهم، من دكتاتورية مغلفة بالقانون.لا يحتاج المدافعون عن الحريات العامة الى الجزم بان اغلاق نوادي الترفيه ليست قضيتهم. ولا يحتاجون، ايضا، الى القسم بانهم لا يروجون الى المجتمعات المنحلة الغارقة بمسالك الرذيلة والجريمة والخطايا؛ فالدولة المدنية التي يقسمون على الدفاع عنها لا تعني الفوضى. مطلقا ليسوا بحاجة الى كل ذلك.لو ان مجلس بغداد قنن، بضوابط تضمن التطبيق الكامل للدستور، ظاهرة النوادي ومنع دخول القاصرين وازاح مواقعها بعيدا عن دور العبادة والمحال السكنية، لن يكون هناك مبرر لانتقاد مثل هذا القرار، وكما يقول المسؤولون في المحافظة ان دعاة الحملة يتذرعون بأي شيء للهجوم عليهم.الحقيقة ان جمهورا واسعا ممن دافع عن الحريات لا يرتادون النوادي، وان اقلاماً سطرت من اجل الحريات لا يعرفون الخمر ولايقربونه، وان حدث اختزال الحوار بهذه الجزئية فما ذريعة تلك المجالس بقانونية حظر الموسيقى واغلاق السيرك. الامر بالنسبة اليهم حلم كبير عادت اليه الحياة منذ سقوط نظام صدام، ان نحيا جميعا في (دولة القانون).(الدولة) بمن صعد الى مقود صناعة هويتها الراهنة، تفصح عن مستقبل شاحب يضرب المواطنة عرض الحائط بذراع مقطوعة من الدستور.بامكان النافذين في هذه البلاد تطبيق القانون عبر تأويله وحشد الجمهور عبر اخافته من الاخر، والترويج للمدنية عبر اقصاء أهم عناصرها وان تكون المواطنة مفهوما منعزلا لا يأتي الا على قياس جمهور وان شكل الاغلبية الساحقة.الشكل الحقيقي في ازمة الحريات ان الطرف القامع لها والمتمثل اليوم بمجالس المحافظات يلعب بالالفاظ ويحور المفاهيم من باب الفذلكة. وهو الامر ذاته الذي جعل صناع القرار يقولون انهم يطبقون القانون لكنهم اسلاميون. هذا مخرج محترف لعدم تطبيقه.تحريف المواقف والرؤى المدنية يذكر الرأي العام بحوادث يسطرها الجدل السياسي العراقي يوميا، فمن يشتكي من المحاصصة يتهم بالركض وراء حصة منها. ومن يرفع الصوت عاليا ضد الفساد يتهم برغبته بصفقة كبيرة ليسكت.دون شك فان جزءا كبيرا من تشويه حملة الحريات لا يخرج عن هذا السياق.هكذا يحرف مسار الجدل الثقافي في العراق، طرف بريء يصون حلم المدنية، واخر محترف يشوه مقاصد البناء والتقدم. وما بينهما (ثلة) بيضاء يزداد يأسها من الغد.
بالعربي الصريح :محترفو التشويه

نشر في: 28 ديسمبر, 2010: 08:30 م







