علي حسين بموت عز الدين طابو يسدل الستار على آخر دراويش الفن في العراق، الذين اختلط عندهم الواقع بالتمثيل، فلم تكن هناك حدود فاصلة بين خشبة الحياة وخشبة المسرح، وكانت الحياة بالنسبة لهم مسرحاً كبيراً، كان شيخ هذه الطريقة عبقري الأداء الراحل غازي التكريتي، يلتف حوله رهط من التلاميذ أبرزهم شاب جاء من الموصل ليجرب حظه في حلقة الدراويش هذه، شعار أصحاب هذه الطريقة هو ان الفن جزء لا يتجزأ من الحياة،
ولهذا فحين يرفض المرء ان يعيش في الابتذال والرتابة، فان على الممثل ان يفهم ان التمثيل لا يرادف السطحية والتفاهةفي أكاديمية الفنون الجميلة يلتقي عز الدين طابو بمعلمه جاسم العبودي وهناك يكتشف ان التمثيل علم لا يرتبط بالموهبة لوحدها وإنما هو تفاعلات أشبه بالتفاعلات الكيمياوية و تظل كلمات العبودي أشبه بالوصية: "نحن نعيش على المسرح على ذكرياتنا الانفعالية المستمدة من وقائع الحياة وفي بعض الأحيان ترقى هذه الذكريات إلى درجة من الوهم تجعلها تبدو كالحياة نفسها ومع أن نسيان النفس تمام النسيان والإيمان الذي لا يتزعزع بما يجري على المسرح شيء ممكن؛ فإنه قلما يحدث فنحن نعرف أن ثمة لحظات متفرقة، لحظات تتفاوت طولا وقصرا ينغمس فيها الممثل في (منطقة العقل الباطن) بيد أن الصدق ومظهر الصدق والإيمان والاحتمال يتناوبان الظهور في غير هذه اللحظات فيظهر احدهما ثم يختفي بينما يظهر الآخر ثم يختفي وهكذا، هناك تطابق بين الذكريات العاطفية وبين المشاعر التي يتطلبها الدور والتشابه الناتج من هذا التطابق يقرب الممثل من الشخصية التي يصورها، وفي مثل هذه الظروف يشعر الفنان المبدع باندماج حياته في حياة دوره". ان تعيش في الفن وللفن تلك هي الأزمة التي عانى منها طابو طوال حياته، فالشاب الذي افردت له الصحف صفحاتها للحديث عن موهبته وهو يؤدي دور عمره في مسرحية " محاكمة الرجل الذي لم يحارب " في السبعينيات اكتشف فيما بعد ان سوق الفن لا تبحث عن الموهبة الحقة بقدر ما تغريها " الفهلوة " فعــــاش وهو ينوء بحمل موهبة كبيرة لم تتح لها الظروف ان تقدم أفضل ما فيها، كنت احتار كثيرا وانا انظر الى المرات القليلة التي يمثل فيها عز الدين طابو، كيف تسنى لممثل ان يحمل كل هذا الاداء المفعم بالأحاسيس وأيضاً الغني بالتعبير أحياناً انسبها الى الحساسية وأحيانا الى النشوة فيما يقدمه لكنني أدرك في النهاية ان هذه الارتجافات الجميلة مصدرها الموهبة الطاغية لهذا الممثل اولا و أخيراً. سنوات طويلة وانا اراقب اداء هذا الممثل في الاعمال القليلة التي قدمها وفي كل مرة اجد نفسي وجها لوجه امام نقلة حقيقية كبرى في اداء هذا الفنان الموهوب، استشعر فيها ان عز الدين طابو قد تحرر كثيرا من طابع الأداء الشكلي هذا الاداء الذي يقيد الكثير من فنانينا وأيقنت ان صاحبنا انطلق متحررا ومحلقا في آفاق تعبيرية لا تحدها حدود. لقد عثر على نفسه وعثرنا عليه. وأصبح بعد هذا الممثل من اكبر طاقات التمثيل في العراق. الإخلاص والصدق مصدران كانا قوة هذا الفنان وأيضاً مصدرا تعاسته، فموهبة بحجم موهبة عز الدين طابو لم تجد لها مكانا في سوق الفن ولهذا ظلت منكفئة الى الداخل، تتسلح ضد إغراءات النجومية الكاذبة..انظر اليه في آخر أيامه وارى الحزن والأسى يرتسمان على ملامحه التي كانت في الماضي قطعة متوهجة من الفرح، واتذكر ثلاثين عاما مضت منذ اليوم الأول الذي تعرفت فيه على عز الدين طابو، النجم الذي كانت تشير اليه وجوه أينما حل بعد أدائه الساحر في المسلسل الشهير " الحالمون " واكتشف ان أحلام " عزي " لم تصمد في زمن المواهب الكاذبة، الزمن الذي لا مكان فيه لدراويش تتجلى فرحتهم في إخلاصهم الشديد وحبهم للفن وللحياة وللأصدقاء.
العمود الثامن :رحيل الدرويش

نشر في: 1 يناير, 2011: 05:58 م







