لطفية الدليميبعد انقضاء عقد على الألفية الثالثة تقهقرت الثقافة العربية، وتردّت أوضاع المثقفين، وغابت أية رؤية منهجية لدى الأنظمة الحاكمة لتخطي حالة الجمود الثقافي. وبات واقعنا الثقافي العربي واقعا خرِبا وهو خراب ناتج من تقهقر المجتمعات العربية وتفكك بناها وصعود القوى المتطرفة، إضافة الى انتهازية أعداد كبيرة من المثقفين العرب سعيا وراء المكاسب والشهرة السريعة.
وقد تضافرت عوامل خارجية على خلق هذا الاختلال البنيوي: منها تسيد القطب الواحد وهيمنة ثقافة واحدة على عالمنا عملت على إزاحة معظم المعارف والثقافات الإنسانية وتراث الإنسانية الشاسع، واستبدلتها بثقافة الـ "تيك أواي" التي تروّجها الميديا والفضائيات، و التي غدت بديل الكتاب والمدرسة والمنتدى الثقافي.و شاعت ثقافة الاستهلاك وفاقمت من تردي أوضاع النساء بفرض ثقافة العيب والعورة، فترنحت المجتمعات العربية بين حتميات التغيير والانفتاح ودعوات تكفير المفكرين والكتّاب والتحريم والحظر وإهدار الدم.وترسخ الخلل بانعدام الثقة بين المثقفين والسلطة وهيمنة اقتصاد السوق على المنتج الثقافي وافتتان كثير من الأدباء الجدد بموضوعة "البيست سيلر" التي تستغلها دور النشر التجارية من دون اعتبار للقيمة الفنية والإبداعية، وهيمنة اقتصاد السوق على أعداد كبيرة من المثقفين وقبولهم بأناس غير أكفاء لقيادة مؤسسات ثقافية، وتفشت تواطؤات البيع والشراء والنفعية.مع بروز الحاجة الى تعزيز التعددية الثقافية التي صارت شعارا للنسق الديمقراطي العالمي، تفككت المجتمعات شذرات، وبدل ان نتجه الى حوار الثقافات الوطنية وتماسكها، سقطنا عمليا في صدام الثقافات. فهناك لغة مخادعة ومفرغة من معانيها، يستخدمها الساسة كالمناداة بالتعددية وقبول المختلف الذي بشرت به الديمقراطية، ثم بقيت محض شعارات يناقضها التطبيق على ارض الواقع، وها نحن نقطف الثمار السامة: قمعا للحريات وتحجيما للثقافة وتراجعا لمستويات التعليم وارتباكا في مفهوم الهوية.هناك مخاوف كبيرة إزاء التردي المريع للأوضاع المجتمعية والثقافية والقيمية، وهناك قليل من الأمل في وقوف القوى الفاعلة ثقافيا في وجه الانحطاط والتقهقر، مع علمنا بأن هذه القوى لا تملك، بفعل تهميشها، الأدوات التي تملكها القوى المهيمنة، بل انها مستهدفة من قبل تلك القوى ومثقفي السلطة ومدعي الفضيلة من منافقي السياسة. فقد جرى تجهيل المجتمعات العربية منذ عقود، بتعاون مقصود او عرضي بين الحكّام المستبدين المزمنين والقوى المتشددة، وحصل نوع من المهادنة بإطلاق الحملات الايمانية تزلفاً للجماعات المتشددة والسلفية وكسبا لولائها، وتحجرت مناهج التعليم وتراجعت مستويات الجامعات ومتخرجيها، فضلاً عن اندراج مجموعات كبيرة من قادة الثقافة العربية في المشروع السياسي الرسمي، ومحاولتهم تجميل خطايا الانظمة الشمولية ، كما فعلت حشود المثقفين العرب مع صدام حسين ثم وقفت بعد الاحتلال ضد مثقفي العراق وحاصرتهم. لقد كفلت معظم الأنظمة الشمولية لحشود المثقفين المرتزقة، الحماية والأموال الدفاقة والجوائز الكبرى التي تلقمهم حجر الصمت إزاء تردّي أوضاع المجتمعات وتهاوي البنى الاقتصادية.حشد كبير من مثقفي المهرجانات المزمنين وأدباء المؤتمرات المؤبدين، باتوا يموّهون الجذام الثقافي بأقنعة الجوائز والبيانات الرنانة، وهم في الحقيقة ينخرون بنية الثقافة بتواطؤاتهم مع الأنظمة المستبدة وقبول الجوائز التي يهبها لهم المستبدون والتعاون مع رأس المال المحافظ بشروطه ومحدداته ليهمين عبر سلطة المثقف ونجوميته على مقدرات الثقافة العربية وجعلها رهينة سياساته ونظرته المحافظة الى الحياة الإنسانية.تكمن أسباب خواء الحياة الثقافية أولاً في تحلل الهويات الوطنية وتشرذمها وعجزنا عن التوصل الى تبني هوية مركبة من عناصر عدة، وهي طريق الخلاص الوحيد من التشدد والشوفينية والتناحر.. فأنت مسيحي سرياني وعراقي وهو مسلم عربي عراقي او مسلم كردي او تركماني او مندائي عربي عراقي والكل في المحصلة عراقيون كما هو الشأن في الولايات المتحدة وكندا،فهناك لا يقال هذا ايرلندي او ألماني او فرنسي او عربي، بل هو أمريكي بهوية فرعية وتلك هويته الضامة التي تلحم الهويات الفرعية بصمغ المواطنة والولاء.يتوقف هذا الوعي بالهوية المركبة على جهد المثقفين المتنورين المستقلين من الأطياف المختلفة وأنظمة التعليم والمؤسسات الثقافية المستقلة.وتكمن أسباب الخواء في عجز المثقف الجاد عن الوصول الى المتلقي ونشر نتاجه وتقديم فكره وعروضه المسرحية وأفلامه وموسيقاه، الا في ما ندر. فوسائل الإعلام وكثير من دور النشر المتنفذة، خاضعة في معظمها للأنظمة او المتعاونين معها، ويملك حشد من المتشددين وسائل إعلام ونوادٍ ثقافية ومؤسسات نشطة ممولة من الحكومات والجماعات المتطرفة، وفي وسع هؤلاء إيصال أصواتهم وأفكارهم الى ملايين المتلقين الواقعين في هوة الفراغ عبر نشر ثقافة التحريم والترهيب.( وللحديث بقية..).
قناديل: الثقافة والهوية والتشدد في القرن الجديد

نشر في: 1 يناير, 2011: 06:16 م







