عبدالله السكوتي انزوى كل من الرجال ملتفا بعباءته، وسط مضيف الشيخ (احمود المغامس)، وكان السعال سيد الموقف مختلطا بالدخان الذي ينبعث بكثافة غزيرة، كان الوقت ظهرا، وكانت وليمة الغداء حاضرة، وقد جلس الرجال لاطفاء نار الفتنة، فلقد اختلف رجل من قرية (احمود المغامس) مع رجل آخر من قرية مجاورة على نعجة ضلت طريقها واختلطت بقطيع الرجل من القرية الاخرى، ووصل الامر الى الشتائم والاشتباك بالايدي، وجلس الرجال لتسوية الامر، وانتهت القضية على التسوية (سايه بسايه)،
لا لهم ولا عليهم، ليصبح الامر برمته جوّه الفراش، لا فصل ولاغرامة، على اعتبار ان قضية مشابهة وقعت بين القريتين من قبل، كان المعتدي فيها من قرية (احمود المغامس)، وقد تكلّف الشيخ المغامس بنحر الذبائح واقامة الولائم، فتندر ضاحكا:(مادام هايه مثل ذيج، خوش مركه او خوش ديج). عدت أفكر ماذا سأفعل في هذه الليلة، ليلة رأس السنة وانا ممتلئ بالضحك لما قاله احمود المغامس (هايه مثل ذيج)، وانا متأكد انه يقصد قضية النعجة لكنني كنت افكر في ان يكون العام القادم مثل سواه او كالذي سبقه، ام ان الاربع سنوات مثل سابقتها تبتدئ بحريق وربما تنتهي بحريق، الارشيف والطابق الثاني تحديدا في وزارة النفط، ومن سيئات الصدف ان نستعير في مقالنا السابق (للتراب ولا لحسين اغا) ان الدكتاتوريات دائما ماتحرق الكتب الهدامة، بينما تحرق الديمقراطيات سجلات الاموال والحسابات، وقد جاءت نبوءة موافية لمقتضى الحال، والادهى من كل هذا اذا كان الحريق في وزارة النفط مفتعلا، فهذا يعني ان وزارات اخرى في طريقها للحريق المفتعل، لابد ان هناك أمورا دسمة لتستحق المجازفة وفي العطلة ايضا، وهذه السياسة سنسميها سياسة الوزارات المحروقة، وهي شبيهة لما يجري في المعارك، من سياسة الارض المحروقة، وهذا يعني الا تدع لعدوك ما يمكن ان يستفيد منه لتمويل جنوده وآلياته، واعتقد ان الامر يدخل في خانة:(هاي مثل ذيج)، وقد قلنا في كلام سابق ان بعض الوزارات كانت تستعد لتسليم مابذمتها للوزراء الجدد، وكانت الدفاتر والسجلات جل مايفكر به الموظفون من صغيرهم الى كبيرهم، وكانوا يقلبون الامر على وجهيه، ولكن عودتنا الايام على ان الحريق احسن طريقة للتسليم، فهو يأتي على ماضي الايام السالفات، وماجرى فيها ويستعد لفتح سجلات جديدة، فالسجلات القديمة دائما ماتحمل وجع الرأس وتحتاج الى تدقيق وحساب وكتاب، فكان الحريق اسهل الطرق للبداية في فتح صفحة جديدة خالية من الاخطاء، ارقتني احداث ليلة رأس السنة ويومها الدامي في الغدير وحي الإعلام، يريدون تلطيخ العام الجديد بالدماء، وهذا فعل القاعدة الخسيس، نغصت القاعدة فرحة المسيحيين بتهديداتها، ونغص الآخرون فرحتنا بالرماد والسخام الذي يتولد منه، هذه الاحداث لم تترك في القوس من منزع، والعراقيون جميعا امام امتحان تاريخي عسير فاما الاستمرار والعض على الجراح واما النكوص لاسامح الله وتسليم الجمل بما حمل، انها احرج لحظات التاريخ لحضارة تمتد الى سبعة آلاف سنة، علمت الناس القراءة والكتابة واعطت للعالم ما اعطت، لتنتهي الى الظلام والامية، ومع هذا فقد ركز بذهني مارأيت من امرأة رفضت ان تبيع مجموعة من الخردة (حصى ومسبحات قديمة، وبعض الاحجار الى احد السواح الشرقيين، وحملت متاعها ورحلت وهي تقول:(اتريد تاخذ تراثنه).
هواء في شبك: (خوش مركه وخوش ديج)

نشر في: 1 يناير, 2011: 07:38 م







