علي حسين يكتب مؤرخو النهضة العربية في العصر الحديث ان ثلاثة كانوا من اوائل المبشرين بنظرية داروين في اصل الانواع " اولهم اللبناني شبلي شميل الذي كان اول من ينتصر لهذه النظرية في كتابه "فلسفة النشوء والارتقاء" 1910، والثاني الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي الذي تعرض للكثير من النقد والهجوم بسبب شغفه بصاحب النظرية، والثالث المصري سلامة موسى الذي كتب كتابا بعنوان الداروينية وقد صدر اوائل الثلاثينيات
شبلي شمل وسلامة موسى مسيحيان وكانت الكنيسة تقف موقفا معاديا لمذهب داروين، بينما الزهاوي ينحدر من عائلة دينية شانه شان الكثير من رواد النهضة الحديثة في العراق،، فقد تعلم الرصافي، والزهاوي، في جامع الحيدرخانة على يد السيد محمود شكري الآلوسي،فيما جاء الشرقي والشبيبي والجواهري من مدينة النجف حاملين عمائمهم الى بغداد. مع الانفتاح الذي شمل العراق في بداية القرن الماضي حدث تحول في زي هؤلاء الشعراء تماشى مع التغير في أزياء الموظفين والعسكريين في الدولة العثمانية فقد كان الرصافي والزهاوي يرتديان العمامة و الجبة خلال دراستهما في الاستانة، لكن الانقلاب الذي عم بغداد انذاك شمل الشعراء والكتاب، ويصف الرصافي في مذكراته التي حققها الدكتور يوسف عز الدين: " كنت أرتدي لباسي المألوف، وهو العمامة والجبة والزبون، وبمناسبة البرد كنت لابسا فوق العباءة والجبة عباءة ماردين. فلما دخلت المقهى لم أجد أحدا فيه. وبرز لي من غرفة الوجاغ صاحب المقهى السوري، فلما شاهدني بالعمامة ارتعب ومر بقربي وهو يقول "إخلع العمامة يا رجل لا تبليني". " وخرجت منذ ذلك التاريخ ولم أعد إلى لبس العمامة. ويروى الرصافي أيضا قصة الزهاوي: " كان جميل صدقي الزهاوي يرتدي سترة وبنطلونا ومعطفا إلى تحت الركبة، ويلبس في رأسه عمامة، وكان المذكور إذا أراد أن يرتكب المعاصي يرفع العمامة، أي القماش الأبيض من فوق الطربوش ويضعها في جيب المعطف فيصبح أفنديا دون أن يفطن أحد إلى أمره ". ثم نزع الزهاوي العمامة فيما بعد ولم يعد لها أبدا فيما خلع الجواهري العمامة النجفية وارتدى الملابس الحديثة. ويذكر كاتبو سيرة الزهاوي الكثير من المواقف الطريفة التي مرت بحياة هذا الشاعر الذي سمي فيلسوف العصر وكان شغوفا بالعلم وبكل ما هو جديد، وحاول من خلال قصائدة ان يبشر بالافكار الجديدة، ومن هذه الافكار نظرية داروين في النشوء والارتقاء، فقد كتب مقالا في جريدة الاهرام المصرية يعدد محاسن هذه النظرية وما ان وصلت الجريدة الى بغداد حتى هاج الخطباء ضده، فطالبوا الحكومة بمحاكمته بل ذهب البعض منهم الى اهدار دمه. يقول المستشرق الفرنسي " ماسينون " الذي عاش في بغداد انذاك وكان صديقا للزهاوي، أنّ الأخير بقي في البيت الى أن غابت الشمس، فتستّر بالظلام وبقطعة قماش، وذهب الى اقرب محل عطارة، واشترى كمية من التبغ تكفيه لمدّة إقامته الجبرية في البيت، غير أنّ المفاجأة كانت بانتظار الزهاوي النحيل، فما ان عاد الى البيت حتى وجد احد شقاوات ذلك العهد بانتظاره قرب باب البيت، كان الرجل ضخم الجثّة، مُسْتَفَز العضلات،ابلغه بعض العامة، بأنّ الزهاوي يقول "أنّ جدّك قرد"،، فلمّا وصل الأخير متستّرا بالليل أمسكه " الشقاوة " من ياقته ورفعه عاليا، وهو يصيح: ولك آني جدي قرد؟!فبادره الزهاوي خائفاً بالقول: " لا عمّي انا ماقلت جدك قرد حاشالله، ثم كشف عن وجهه ومسك ذقنه بيده وقال:انا قرد ابن قرد لسابع ظهر.وللحديث بقية...
العمود الثامن :داروين يتخفى في شوارع بغداد -2

نشر في: 4 يناير, 2011: 05:27 م







