TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > سلاماً يا عراق: زمان الحرية

سلاماً يا عراق: زمان الحرية

نشر في: 4 يناير, 2011: 06:39 م

هاشم العقابيإن قالت العرب : "يجوز للشاعر ما لايجوز لغيره"، وفسره البعض انه يعني حرية التصرف بالقواعد والنحو، لكن العراقيين فسروا القول على انه يجوز للشاعر التعبير بحرية تقديرا منهم لموهبته. لقد وجد النتاج الشعري بالعراق فرصة للتطور نوعا وكما بفضل ما توفر له من حرية واسعة فصارت له اصناف عدة منها: المكشوف والخمريات والوجدانيات والمراثي والمدائح الدينية وغير الدينية، اضافة للهجاء الذي شكل، في بعض من جانبه الايجابي، عمودا من اعمدة انتقاد دعاة التخلف والجهل وذم الطغاة وفضح وعاظ السلاطين.
ولولا شغف العراقيين بالحرية، لما كان لأبي نؤاس ان ينهض شاعرا مجددا يمشي على طوله ببغداد رافعا كأسه متساميا على شعراء الخيل والرمح والجمال ساخرا من البكائين على الاطلال، ليفتح بذلك صفحة حضارية مضيئة في تاريخ الادب العربي كله.حب العراقيين للحرية لم يأت مصادفة، بل توارثوه في جيناتهم عبر آلاف السنين من ايام حضاراتهم الاولى. في محاضرة للباحث الدكتور علي الشوك في ديوانية الكوفة بلندن في نهاية التسعينيات، كنت قد حضرتها، كشف عن ان السومريين اذا نصبّوا ملكا جديدا يأتون به الى ساحة عامة وينادون على مواطن من اقل الدرجات الاجتماعية، وقد يكون شحاذا، ليصفع الملك الجديد. هذه الطريقة فسرها الشوك بانها، وحسب الزمن الذي كانت فيه، رسالة للملك ليتعلم الاذعان لشعبه. لقد عرف السومريون معنى الحرية وكانوا اول من كتب اسمها Emargi "ايمارجي" قبل ستة آلاف عام. وفي بابل اتسعت الحرية لتشمل الحيوان ايضا حيث ورد في ماكتبوه شعار يقول: " حتى الكلب ببابل يصبح حراً ".  كان من يريد ان يقول شعره بحرية يقصد المربد، ومن يطارده سيف حاكم بدوي بسبب قصيدة قالها يلوذ بالعراق. وما كانت الحرية والحماية العراقيتين للشعر والشعراء فقط، بل امتدت ايضا لتشمل المفكرين والكتاب والرسامين وفقهاء الدين الذين مكنهم زمان الحرية بالعراق، وخاصة ببغداد، من تأسيس أشهر وأهم المدارس الفقهية والمذهبية والفرق الفلسفسية .لم يجرؤ حاكم عراقي واحد، خاصة في العصر الحديث، على شتم الادباء ومعاقبتهم والتضييق عليهم وتشويه مكانتهم حتى لو شتموه جهارا. وظلت حرية الادب والادباء مقدسة الى ان تسلط صدام على رقبة العراق فذبحها بقوانين شمولية جائرة وقدمها على طبق من ذهب لبعض الظلاميين الذين صار بعضهم اليوم، وبدون ادنى حياء، يطبقها كقانون 82 لسنة 1994 الكريه.وللإنصاف اجد ان لا بد من ذكر المرحوم عبد الكريم قاسم الذي اعطى مثلا نادرا في سعة صدره واحترامه للأدباء. فلا أحد ينكر تقديره واحترامه لشاعرنا الكبير الجواهري وكذلك السياب رغما انهما انتقداه، لا بل وشتماه ايضا، في اكثر من قصيدة ومقال. لقد كان نصب الحرية في ايامه لوحة ناطقة بوسط  بغداد وليست خرساء ، كم يحدث االيوم، تتربص بها معاول اعداء الفن والموسيقى كما.وللأمانة يجب ان  اذكر ايضا بموقف المرحوم نوري السعيد مع الشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي الذي نشر ضده الكثير من القصائد في جريدته، حتى انه مرة انتقد نوري السعيد وجها لوجه. لكن الاخير لم يتعرض له لا من قريب ولا من بعيد، لا بل قيل انه كان يبادر الكرخي بالسلام واحيانا لا يرد الكرخي عليه سلامه.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الكهرباء تحدد موعد تشغيل الربط الخليجي ومنصة الغاز.. والجباية ترتفع إلى 44%

من التراث العالمي إلى العطش.. أهوار ميسان تحتضر

غبار كثيف يجتاح البلاد السبت.. نصائح عاجلة

هيئة النزاهة تشكل فريقاً للتحري عن حادث الزعفرانية

واشنطن تهرب آلاف أجهزة "ستارلينك" إلى إيران سرًا

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram