علي حسين الزهاوي الذي عمر الى ضفاف السبعين، رجلا مسالما يكره كل ماهو قسوة وعنف ومعارك، الامعركة الدفاع عن قضايا المراة، فالرجل الذي ينحدر من عائلة دينية معروفة في بغداد نذر نفسه للدفاع عن حق المراة في المساواة وحقها في ان تصبح عنصرا فاعلا في المجتمع،وكان يدرك ان معركته هذه ستجلب له المتاعب، وتجعل منه لقمة سائغة للمتشددين،
في العديد من الكتب التي دونت تاريخ العراق المعاصر نجد فصولا عن المعركة الادبية والفكرية التي اندلعت في السنوات الاولى من القرن الماضي بين الزهاوي وعدد من رجال الدين ويذكر مؤرخنا الاستاذ رشيد الخيون ان شرارة المعركة بدات حين كتب الزهاوي مقالا تحت عنوان " المراة والدفاع عنها " نشرته مجلة المؤيد عام 1910 وحين وصلت المقالة الى بغداد قام نعمان الاعظمي صاحب مجلة " تنوير الافكار" بنشرها ويقول علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية من تاريخ العراق، ان بعض رجال الدين وعلى راسهم السيد نور الدين الواعظ طالبوا الوالي ناظم باشا بمعاقبة الزهاوي " الفاسق " فيما دعا ائمة الجوامع الناس للخروج للتنديد بدعوة الزهاوي فاضطر الوالي الى عزله من وظيفته، ليعتكف الشاعر في بيته خائفا على حياته من الاعتداء، وذات ليلة. طرق باب داره ثلاثة من أشقياء بغداد وطلبوا منه السماح لزوجته بأن تجالسهم بالمقهى، وعندما احتج على الطلب، قالوا له: كيف تطلب من النساء أن يرفعن الحجاب ويختلطن بالرجال؟ وانتهى الأمر بالتهديد بالقتل إن عاد ثانية إلى " مثل تلك الأقوال الفاسدة"!وتحت التهديد استنجد الزهاوي في بيان نشره في جريدة " الرقيب" بالوالي ناظم باشا طالبا منه التدخل لحمايته وبالحفاظ على الدستور العثماني وجاء في المقال " إلى ناظم الحكومة في بغداد، اسمع أن أحد المشايخ المتلبسين بالتقوى في بغداد، البلد الذي يسيطر عليه الدستور وعدلك الوافي، أخذ يدير رحى فتنة جسيمة، فيعرض الجاهلون على الإيقاع بيَّ باسم الدين البريء من الظلم، جزاء مقالة اجتماعية نشرت بإمضائي في المؤيد الأسبوعي، كما في تنوير الأفكار دفاعاً عن المرأة، وهي عدا كونها شبهات ضعيفة استفهامية تزول من نفسها لم يتعين بعد كاتبها أنا أم هي مزورة على لساني من عدو لي في العراق".استمر الزهاوي في دفاعه عن المراة فنشر بعد ان هدات العاصفة قصيدته الشهيرة " اسفري يابنت فهر " :اســــــــــفري فالحجاب يا بنت فهـــــرهــو داء في الاجتماع وخـــــــــيمكل شـــــــيء إلى التجــــــــدد مـــــــاضفلمـــــــاذا يقــــــر هــــذا القــــديم؟! ويواصل تحديه للافكار السائدة: مزقي يا ابنــــة العـــراق الحجابـــــــا اســـفري فالحياة تبغي انقلابـا مزقيــــــــــه واحرقيـــــــــه بـــــــلا ريــث فلقـــــد كان حارســــــــــا كـــذابـــــــا عبر الزهاوي عن اعترافه الكامل بدور المرأة المهم والكبير في الحياة الأسرية والمجتمع وبناء الوطن وأشار إلى مساوئ المفاهيم السائدة التي تحط من قدرها وتظهرها متاعاً يمتلكه الرجل ويفعل به ما يشاء ويحق له التخلي عنه أو استبداله متى رغب في ذلك، تحدث الزهاوي مبيناً أن في الأمر امتهاناً فظيعاً لها وتكريساً لثقافة الخوف والضعف والخيانة وانعدام الثقة بين بني البشر ومحدداً سلبيات الحجاب على جميع الصعد وإيجابيات السفور التربوية والاجتماعية وانعكاسه على قدرة المرأة على التفاعل مع الرجل في تطوير المجتمع وبناء الاوطان. هذا ما قاله الزهاوي قبل مئة عام،اليوم يحاول البعض ممن لم يقرا تاريخ العراق جيداً، ولم يسمع باسم الزهاوي ان يعيدوا عقارب الساعة الى الوراء من خلال قرارات، اقل ما يقال عنها انها مضحكة، فياليتهم تعلموا من ان التاريخ لا يرحم.
العمود الثامن :عندما حاصر اشقياء بغداد الزهاوي -3

نشر في: 7 يناير, 2011: 06:23 م







