علي حسينالتجربة السياسية لزعيم جنوب افريقيا نيلسون مانديلا تستحق من كل الساسة العراقيين ان يقرؤوها جيدا، فالرجل الذي امضى نصف عمره في زنزانة انفرادية، توقع المقربين منه ان خروجه من السجن يعني ان لحظة الثار قد حانت، لكنه لم يحقق لهم مبتغاهم ودعا الجميع الى نسيان الماضي مؤكدا ان: " الإنسان الحق هو ذلك الذي لايكرر خطا الظلم الذي ناضل كي يرفعه ".
يبدو الحديث عن مانديلا هذه الايام اشبه بالحديث عن حلم عاشه رجل في زنزانة ضيقة وحين اطلق سراحه عمل جاهدا على المحافظة على بلد متماسك بكل الوانه، كان الامر في البداية اشبه بالمستحيل، فالكل يشحذ سكاكينه، والكل يتهيا لحرب الانتقام، وكان امام العجوز الذي خرج منهكا من المعتقل خياران، الاول أن يبدأ حرب الانتقام ضد البيض الذين عذبوه لأكثر من ربع قرن، وحكموا مواطنيه الأفارقة بقوانين تساويهم بالحيوانات، والخيار الثاني ان يحافظ على امن وسلامة البلاد وروحها، فاختار الطريق الثاني فأزاح الأفارقة البيض من السلطة دون أن يلغي مواطنتهم في بلد استقروا فيه منذ أكثر من ثلاثمائة عام إلى جانب السكان الأصليين ليفاجئ العالم بسياسة اليد الممدودة، وعقاب المخطئين بمحاكمات الاعتراف العلنية لتطهير النفس بديلا للانتقام والقتل.مانديلا علامة التسامح والغفران في عالم يجنح الى التعصب والتحامل والعنصرية، استطاع أن يطوي صفحة سوداء ويفتح طريق المستقبل للمواطنين المتعددي الأعراق والأديان. وكانت مواقفه رمزاً لهذا المستقبل حين شكل حكومته الأولى من مظلومين وظالمين.التسامح والغفران يتطلبان إيماناً بأن الأفكار مثلها مثل الأشياء تتحول وتتغير، أما عدم التسامح والعجز عن الغفران فهما دليل تعصب وجمود،وبسبب مانديلا الذي عمم مفهوم التسامح فإن جنوب أفريقيا اليوم أهم وأكثر دول القارة استقرارا ونجاحا.في كتاب جديد يحمل اسم "حوار مع نفسي"، وهي نصوص كتبها مانديلا البالغ اليوم من العمر 92 عاما، يظهر الوجه الشخصي لهذا الرجل الذي تحول رمزا عالميا للمصالحة في القرن العشرين.يكتب الرئيس الاميركي باراك اوباما، في مقدمة الكتاب تحية لحياة مانيلا "المناقضة للعبث وللاستسلام للقدر الشائعين في عالمنا". مضيفا ان" مانديلا عاش في غابة السياسة، وكان له نصيبه ‏من الضعف الإنساني، وفيه العناد والكبرياء والبساطة والاندفاع، ووراء ‏سلطته وقيادته الأخلاقيتين كان يخفي دائماً سياسياً متكاملاً وقد ارتكزت منجزاته العظيمة على ‏براعته واتقانه السياسة بمعانيها العريضة الواسعة ". في حوارات مانديلا نكتشف ان قصيدة من الشعر الهمت الزعيم الافريقي ليقاوم، القصيدة كتبها الشاعر الانكليزي وليام هانلي " 1849- 1903" تقول كلماتها: من اخر الليل الذي يضعني في كفنه كما لو كنت في هوة سحيقة من قطب لاخر، اشكر الالهة التي وهبتني نفسا لاتقهر، حتى حين سقطت في قبضة الاسر فلم اجفل، ولم اصرخ رغم كل ما كان يعصف براسيحين كنت ارى خارج هذا المكان الغضب والدموع، يلوحان في الافقتحت رعب الظلال، لكني بعد هذه السنين الطواللم اعد خائفا، وما زلت ابحثولم يكن مهما كيف كان الباب ضيقا كما لم يكن يعنيني، كم كلفتني العقوبات، فانا سيد قدري، وانا قائد روحي من منا سيقرا سيرة مانديلا جيدا ليتعلم ان السياسة هي فن المحافظة على الشعوب، لافن التلاعب باقدار الناس؟!
العمود الثامن: قصيدة تنقذ وطنا

نشر في: 8 يناير, 2011: 04:57 م







