TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > بالعربي الصريح ..جيري.. ونكتة عراقية عن الصحافة الحرة

بالعربي الصريح ..جيري.. ونكتة عراقية عن الصحافة الحرة

نشر في: 9 يناير, 2011: 08:10 م

علي عبد السادةالسياسيون العراقيون بارعون في التمويه والمواربة، يجيدون اللف ويتقنون الدوران. وهذه وسيلتهم في مواجهة الصحفيين؛ يحفظون، جميعا، عن ظهر قلب جملا مبذولة ومملة، لكنها ضرورية لحماية الأسرار والخفايا.عام 2008 كان الصحفي الأمريكي جيري كامير يحاضر فينا، نحن مجموعة من الصحفيين العراقيين جمعنا مرصد الحريات الصحفية،
عن الوصول الحر للمعلومة، واخذ يستعين بوثائق وشهادات وأفلام تسجيلية عن السهولة الفائقة التي يطالع ويدقق فيها الصحفيون الأمريكيون وثائق وعقود تسليح من على موقع رسمي للبنتاغون.وقال كامير واثقا:"حتى الـ سي آي أيه.. نلج موقعهم ونطالع في وثائق مهمة.. طبعا هناك مستوى محظور لا يمكننا الاطلاع عليه لتعلقه بالأمن القومي".كنا نحو خمسين صحفيا نحفر في الأخبار يوميا بحثا عن شيء يخلو من الحشو والإنشاء. جميعنا، ونحن نراقب ثقة كامير، بدأ يطالع في الوجوه:"أي وزارة عراقية تتيح لنا الإمساك بوثائق العقود أو حتى المراسلات العادية؟".أحدنا حاول أن يوقف استرسال كامير في شرحه للنعمة الأمريكية:"نحن نصل إلى المعلومة مثلكم، لكن من الباب الخلفي"، ابتسم واستدرك:"لا نحصل على شيء سوى من خلال علاقات ومصالح".عشرات الصحفيين اليوم بإمكانهم الحديث مع المسؤولين وتوجيه الانتقادات إليهم وسؤالهم عن معلومات وإحصاءات ووثائق، لكن هؤلاء لا يحصلون على إجابات محددة، كل ما يمكنهم قوله هو لا شيء، هكذا يزدحم القاموس الصحفي العراقي بالحشو والإنشاء.صار عرفا أن تحظى السلطة الرابعة بالمعلومة الأساسية ذات المستوى العالي، إن صح القول، من مصادر"ملتوية"، ومع الوقت صار جزءا من الروتين اليومي لإنتاج الأخبار والقصص الإخبارية. رغم ذلك ومع حزمة علاقات ضيقة وصفقات إعلانات ومضاربات بين السياسيين وأركان النفوذ لا تزال تعاني وسائل الإعلام من شح السبق وافتقار المفيد.عقلية النظام السياسي الراهن، بمن يمسك بزمام القرار والنفوذ فيه، تعتقد بجدوى الكتمان، وبضرورة حماية الكواليس، وبإبعاد المتطفلين وعدساتهم عن غرف المحظور، وبحاجة النافذين والمنتفعين إلى مسالك العتمة والظلام، لذا فان قانونا يشرع لضمان الوصول الحر للمعلومة سيكون ضربا من الخيال الآن.وان كان القول بمستويات حمراء لحظر المعلومات، حين يتعلق الأمر بالأمن القومي، كما هو معتاد في أكثر الديمقراطيات رسوخا، قولا منطقيا، فان سياسيين عراقيين محترفين في مهنة التمويه سيجعلون من أمر عقد لشراء حفارات لكري الأنهار من المستوى الأحمر، أو بلدية صغيرة تعاقدت مع مقاول لتبليط شارع بحجم زقاق من أولويات الأمن القومي.حجة حماية الأمن ستردع دعوات إتاحة المعلومات أمام الرأي العام، ولن نشهد، على الأقل في المدى القريب، عصرا صحفيا متطورا، ما دامت ذريعة"العراق الاستثنائي"قائمة. سنبقى استثنائيين ما لم يتنازل النافذون عن ستارة من حديد تحجب دواليب الوثائق وأضابير العقود والمراسلات عن عيون الناس. هؤلاء من حقهم معرفة ما يجري، فهذه إشارة ودليل على احترامهم. وكان كامير، الرجل المصدوم بقدرة صحفيي العراق على مقاومة المخاوف وفقر القانون، يسألنا في نهاية كل محاضرة:"بربكم.. عن ماذا تكتبون كل يوم؟".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الكهرباء تحدد موعد تشغيل الربط الخليجي ومنصة الغاز.. والجباية ترتفع إلى 44%

من التراث العالمي إلى العطش.. أهوار ميسان تحتضر

غبار كثيف يجتاح البلاد السبت.. نصائح عاجلة

هيئة النزاهة تشكل فريقاً للتحري عن حادث الزعفرانية

واشنطن تهرب آلاف أجهزة "ستارلينك" إلى إيران سرًا

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram