علي حسين ذات ليلة من ليالي عام 1940 كان ليون تروتسكي اشهر منفي روسي في المكسيك قد اعد العدة للرد على غريمة ستالين، فقد قرر ان يكتب سيرة الزعيم السوفيتي الذي يخشاه العالم، مازلت اعتقد ان السير الشخصية والمذكرات هي اجمل واعظم من الروايات، تأملوا معي ما كتبه نيرودا، وما سطره رفائيل البرتي والتجربة الغنية لاندريه
مارلو في لامذكرات، وهل يشك احدنا بان سيرة ماركيز التي كتبها بنفسه تعد واحدة من اجمل رواياته، كتب المؤرخ الشهير اسحق دوتشير اهم سيرة لستالين ظلت حتى هذا اليوم تعد اهم رواية عما جرى في الثورة الروسية، ولكنه قدم لنا في الجانب الاخر تحفة ادبية سطر فيها سيرة غريم ستالين " ليون تروتسكي " والتي تعد الى اليوم افضل نموذج أدبي في كتابة السيرة الذاتية. يكتب كميل قيصر داغر مترجم الثلاثية الى العربية أن دوتشير استلهم عناوين الثلاثية من ميكافيللي الذي لاحظ أن المسلحين من الأنبياء هزموا، والعزل منهم دمروا. وقد أشار ميكافيللي أيضًا إلى الطبائع المتباينة للبشر فقد يكون من السهل إقناعهم ولكن من الصعب الإبقاء عليهم في حالة اقتناع دائمة. ومن الضروري اتخاذ إجراءات تدفعهم إلي الإيمان إذا فتر إيمانهم يري اسحق دوتشر كاتب ثلاثية تروتسكي ان التاريخ من منظور مغاير تحكمه معايير تختلف عن تلك التي تحكمه منظمات تدافع عن حقوق الإنسان، كل شيء عنده يقاس في ضوء الدافع الثوري. والسؤال الأهم لديه هو: هل ساعد هذا التوجه، أو تلك الفكرة، على إنجاز الثورة أم جرفها بعيدًا عن هدفها الحقيقي؟ لقد تحلى دوتشر بإيمان راسخ في قيمة الهدف النهائي الذي كثيرًا ما عبر عنه تروتسكي وقال، وهو في منفاه السيبيري وكان عمره وقتها 22 عامًا: "سأظل أناضل من أجل المستقبل طالما بقيت حيا. هذا المستقبل المشرق الذي يصبح فيه الإنسان قويا قادرًا على التحكم في تيار التاريخ وتوجيهه إلى آفاق لا محدودة للجمال والفرح والسعادة". تتحول سيرة تروتسكي، بين يدي دوتشر، إلى رواية ملحمية للصراع من أجل روح الثورة، ومن أجل تعهدها بوضع نهاية لعصور الفقر والعوز، وبدء عصر جديد لحرية وسيادة كل البشر. وهكذا ظل دوتشر يعتقد في استمرارية هذا الصراع حتى بعد سقوط وموت بطله، وإلى أن يأتي اليوم الذي ينهض فيه نفر من ثوار روسيا الجدد لإنقاذ الثورة من مستنقع الاستبداد والاستغلال الذي قادها إليه ستالين حسب تعبير دوتشير. ولإعطاء ماركسيته هذه نكهة عالمية. لم تكن مفاجأة أن يصور دوتشر تروتسكي وكأنه برومثيوس يخوض الصعاب من أجل مستقبل البشرية، وليس مجرد ممثل في دراما سياسية روسية. ويكاد العمود الفقري " للثلاثية " أن يكون مرافعة أخلاقية عن تروتسكي، رغم أن دوتشر لم يكن " تروتسكيا" بل كان ثوريا ماركسيا مستقلاً.مازلت أتذكر المرة الاولى التي تعرفت فيها على افكار تروتسكي من خلال صديق كان واحدا من اكثر اليساريين الذين عرفتهم تحمسا لأفكار تروتسكي حيث كان يرى فيها جوهر الشيوعية الحقة، جاء الصديق هذا من عائلة غنية ميسورة، في حين جئنا نحن أصدقاؤه من عوائل متوسطة، وقد امتاز بالطيبة وايضا بالصلابة كان يري في التروتسكية التجسيد التام للفكر الماركسي، عشقه لتروتسكي اثار عليه ضغينة الشيوعيين وكره البعثيين الذين اعتقدوا ان هذا الصديق واحد من قادة الشيوعيين في محلتنا – بغداد الجديدة – فكان نصيبه ان يكون من أوائل الذين القي القبض عليهم بعد ان تخلى نظام البعث عن الجبهة الوطنية، لتنتهي حياته في اقبية مديرية الامن وليدفع حياته ثمنا لحلم طوباوي بقائد يعيد للثورة طابعها الرومانسي. اتذكر الصديق الطيب وانا اعيد قراءة ثلاثية تروتسكي هذه الايام واتامل كم قدم العراقيون شهداء من اجل افكارهم، وكم يعانون اليوم من اجل اعتناقهم أفكاراً تدافع عن الحرية.
العمود الثامن :تروتسكي يقتل في بغداد

نشر في: 11 يناير, 2011: 06:01 م







