علي عبد السادة هذا ليس أفتراضا، انه واقع جديد يطبخ على نار هادئة:"الاسلام السياسي يقتل، بالتحريم، حيوات ثقافية في العراق، وهي تحتسب الخطر باختمار فكرة الهروب، الهجرة".لا يتوقع المثقفون العراقيون شيئا من الغد (الديمقراطي) سوى انحسار زواياهم، وهبوط سقوف الحريات ضاغطة رؤوسهم .. الخوف غريزة المحاصرين، وعادة الغرباء. وما من مفر لديهم سوى العودة الى مربعات المنافي ودوائر اللجوء.
قال لي شاعر عراقي:"لا فائدة، سنكون كبش فداء للتغير المزعوم .. فكذبة (الدولة) استدرجتنا مجددا الى لعبة (المشاركة)، المتدينون الحزبيون سيعاقبوننا على الحياة، وسيخبروننا بأننا شركاء على الورق، او في خطاب انتخابي متلفز، وحسب". تنهد، يائسا، وهمس:"أتذكر الهروب من صدام، التاريخ مكرور بقساوته رغم صعود وهبوط الوجوه".وهذا استهلال مقلق لدولة عرجاء، لكيان سياسي واجتماعي معوق، الصانعون الجدد للهوية يوافقون، بتشريع القمع، على قرار باخلاء العراق من الضياء، انهم يحبون العتمة ويزدهرون فيها.سيأتي صباح يستيقظ فيه عرابو الاسلام السياسي، لا يجدون احدا يرعون مصالحه سواهم، لن يجدوا احدا معهم، غير وعاظهم وناطقيهم والمتحدثين باسم جمهوريتهم الملثمة.واظنهم يرتكبون حماقة تاريخية، ومن اليسر فهمها والضحك على مفارقاتها حين نطابق سيرة صعود صدام بالامس، مع اعتلاء قوى الاسلام السياسي سدة الحكم اليوم، كلاهما اجتهد في بناء العوازل، وباتت دائرة النفوذ التي تحيط بهم اقصر من خطوة القدم، كل المختلفين والمخالفين لهما خرجوا اعداما وشنقا من الحياة، ونفيا وهروبا من العراق .. لست عرافا لأتنبأ بنهاية طبق الاصل لكليهما.صدام اراد الجميع بعثيين مخلصين، وجعل بطاقة العضوية لحزبه جوازا لمرور الجميع للوظائف ومقاعد الدراسة، بالاحرى كان جوازا للوجود، معيارا للكرامة، كان ينظر لغير البعثي – وكان ذاك امرا مقلقا – على انه غير عراقي. بينما النافذون اليوم يضعون وصفة ديكتاتورية جديدة، مع تعديلات أيديولوجية، لتحديد المواطنة الجديدة، وعلى أساسها لا مكان لعشاق الحياة، وبنائي الثقافة وعمال ومشتغلي الفنون. في كواليس احدى مسارح بغداد، خرجت عضوة في الفرقة القومية للفنون الشعبية، وكانت على بعد دمعتين لتنفجر بالبكاء، وقالت:"ما بدأت فقرتنا، وكانت رقصة فلكلورية، حتى خرج زعماء سياسيون من القاعة، غاضبين، هامسين في أذن مرافقيهم بضرورة انتهاء مهزلة التراث".لا مفر من الجزم بان قوى الاسلام السياسي تقترف انتاج دولة غير مدنية، وهي ليست على غرار ديمقراطيات دينية في العالم، انها نموذج متشدد مظلم، تشيد جدرانه بحجر التحريم والاقصاء والتهميش، لكنها، وان حدثت، ستكون خالية فارغة من اولئك المختلفين.هذا الكيان الفارغ، سيكتظ بالعصبيين والمتطرفين والغارقين بازدراء الآخر، هؤلاء يزدادون يتفاقمون، يتكاثرون، مع أبرة تعصب وتطرف يزرقها القمعيون في عضل المقهورين. وسيبقى هذا الكيان خاليا سائدا بلونه الواحد متسلطا بيده وهي تحجب السماء وترصد رؤوسا يانعة تبشر بحياة مختلفة.السؤال عما سيجري، محصلة بديهية لقسوة ما يجري الآن: المثقفون الحالمون بالعودة، وهم يأملون عراقا بصدر واسع، سيظلون يتخمرون في المنافي وسيبقى حلم الرجوع محلا سريا للاستمناء، بينما يفكر الآخرون القابعون، هنا، بحزم الحقائب، وملاحظة صلاحية جواز السفر. هذا عراق مخطط له من قوى الاسلام السياسي، ولا داعي لتزويق جريمة الاقصاء بخطاب حكومي عن (الدولة المدنية).
بالعربي الصريح ..العراق المحتمل.. فارغ

نشر في: 12 يناير, 2011: 07:41 م







