علي حسين كأن أبا القاسم الشابي نهض من قبره بعد سبعين عاما ليكتب قصيدة جديدة يستنهض فيها الشعوب العربية التي استكانت للقهر والذل والتجويع من حكوماتها، القصيدة التي كتبها الشابي يستنفر التونسيين ضد الاستعمار الفرنسي يرفعها اليوم شباب العرب الغاضبون ضد سراق الوطن وأحلام الناس ضد الفساد والاستبداد والقمع.
"ثورة أبي القاسم الشابي"، أثبتت أن الشعوب العربية يمكنها أن تتغلب على خوفها وعلى آلة القمع الجهنمية، والسبب أنهم لا يملكون ما يخافون عليه.الدرس التونسي يقول للحكومات المستبدة استعدوا لدفع الثمن فان الظلم لا يمكن أن يستمر إلى ما لانهاية.من الواضح أن انتحار الشاب التونسي البو عزيزي ثم مظاهر التعاطف معه ومع قضيته كانت نقطة البداية في دائرة ازدادت اتساعا لإدراك الشباب العربي من وجود بدائل للإحباط وهي العصيان وربما الثورة، وهو ما يذكرنا بالعبارة الشهيرة التي استخدمها الثوار ضد تشاوشيسكو في رومانيا حين قالت سيدة عجوز كان يهددها أحد الجنود بأنه سيقتلها:" اقتلني، لن تستطيع أن تقتلونا جميعا" التي بدأ يرددها جميع المتظاهرين بشكل تلقائي وكأنها نشيد الثورة، وهنا وجد الجندي أنه ليس من المجدي في شيء أن يقتل هذه السيدة لأن خلفها الآلاف من المتظاهرين الذين سيزدادون شراسة لو قتل أي شخص. والحقيقة أن هذه العبارة هي جوهر انتصار أي حركة شعبية تسعى للتغيير على أرض الواقع لأنها تحمل دلالاتها العميقة. ظل النظام التونسي منشغلا بالتكذيب، فيما الحريق يشتعل ، ليضطر الرئيس في النهاية إلى أن يستقل طائرته ويترك البلاد بعد سنوات من القمع والانغلاق، ومن الواضح أن الأمور كانت تغلي في تونس، وعلى نار هادئة، حتى القطرات الأخيرة من الكأس التي فاضت في النهاية، لكنها لم تغرق تونس، بل أيقضتها. فبعد سنين من الانغلاق، والقمع، والتعنت في السير عكس كل العالم .لم تعد الشعوب تقنع بكلام الأغاني عن المستقبل الزاهر وعن الانجازات الديمقراطية التي لا تنتهي ولا تتوقف، فهم يرون بلادهم تباع للسياسيين شبرا شبرا، يرون المليارات تصب في جيوب المسؤولين، ثم يجدون أنفسهم عطشى بلا مياه، مهانين في مساكن غير آدمية، يحلمون بوظائف تنقذهم من جوع، يرون الانكسار والذل في العيون التي تكشف العجز والضعف عن تلبية أبسط الحقوق.الناس يئست من أحزاب المصالح الشخصية ، ويئست من جدوى الأحزاب الهامشية التي أدمنت الكلام والشعارات، الناس اكتشفت زيف اللعبة السياسية، التي تهدف إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب الشخصية والحفاظ على الوجود من أجل أهداف سياسية مغلفة بشعارات زائفة. لا تلوموا الشباب إذا خرجوا يوما يملأون الشوارع فهم معذورون، يحتاجون إلى عقول واعية، إلى قلوب محبة، لا إلى لصوص ومدعين وخطباء، يحتاجون إلى من يقول لهم متى وأين سيجدون وظيفة ؟ ومتى سيتزوجون ويمارسون حياتهم الطبيعية؟ لن يقتنعوا أبدا أن المستقبل سيكون أجمل وان الصبر جميل.الناس فقدت ثقتها بكل من حولها، الناس بحاجة إلى لغة جديدة، لا تعرف النفاق أو الخداع، ولا تطالبهم بالتغني بحب البلاد ، فالجائع والخائف لا يعرف إلا البكاء، والبكاء طال حتى جفت الدموع، والخطر الحقيقي على هذا الوطن يبدأ حيث تنتهي الدموع، وتقسو القلوب.فيا خوفي من يوم يفاجأ به المسؤولون والسياسيون، ساكنو القصور ، البعيدون عن هموم الناس، بهؤلاء الشباب داخل بيوتهم.. هل يتعظ أولو الأمر قبل الطوفان ؟ وقبل ان تهتف الناس في الشوارع : "إذا الشعب يوماً أراد الحياة".
فـارزة: "إذا الشعب يوماً أراد الحياة"

نشر في: 15 يناير, 2011: 09:58 م







