نجم واليوحده صديقنا السينمائي هادي ماهود سيجد في ما حدث تأييداً لما ذهب إليه، وسيقول، ألا ترون لماذا لا أنزل إلى بغداد؟وهي ليست المرة الأولى التي صرح فيها علانية عن خوفه من القدوم إلى بغداد، لدرجة أنه عندما عرف بأنني موجود في بغداد وصلتها قبل أيام، اتصل بي يسألني إذا كان ليس في نيتي زيارته في مدينته السماوة؟ لكن رغبته برؤيتي وبالحصول على رواية "الحرب في حي الطرب" التي يحلم منذ سنوات طويلة، منذ صدورها بنسختها العربية عام 1993 (النسخة الألمانية صدرت عام 1989)،
بتحويلها إلى فيلم سينمائي جعلته يعمل استثناءً ويغادر مدينته الآمنة السماوة ويأتي إلى بغداد، مغامرة تُحسب له، في مدينة أصبح التجول في شوارعها سباقاً بين الحياة والموت. لو كان العراق بلداً طبيعياً مثل بقية البلدان التي زرتها عادة لما جعلت هادي يخضع نفسه لهذا الامتحان، لكنه لم يكن وحده في طلبه ذلك. العديد من الأصدقاء طلبوا مني زيارتهم حالما عرفوا بزيارتي الأخيرة إلى بغداد. أصدقاء من مدن عراقية عديدة، من الناصرية والبصرة ومن بغداد خيبت ظنهم، وربما مازال بعضهم حانقاً عليّ، خصوصاً الأصدقاء في بغداد، الذين منطقياً كانوا قريبين مني، لكن عملياً التنقل في بغداد من حي إلى آخر خصوصاً إذا كان التنقل يعني العبور من الكرخ إلى الرصافة أو العكس، يفوق في الوقت الذي يستغرقه وقت الطيران من بغداد إلى أسطنبول أو أكثر، ناهيك عن الجهد الاستثنائي الذي تسدعيه الرحلة، الصبر وضبط النفس، لأن الرحلة يمكن أن تدوم ثلاث أو أربع ساعات، وفي النهاية عندما يصل المرء، يُسلم على مضيفيه، يشرب استكان شاي، قبل أن يودعهم مباشرة وهو يحسب طريق العودة 3 أو أربع ساعات أخرى، هذا إذا وصل سالماً دون أية أضرار جانبية على الأقل، في مدينة لا تبخل بتزويد كل ما هو مدعاة للقلق أو للخوف، ووحده مشهد الاختناقات المرورية، سواء بسبب عدد كل هذه السيارات التي فاق عددها عدد سكان العاصمة، أو بسبب تزايد عدد نقاط التفتيش، خصوصاً في الأيام الأخيرة التي كثرت فيها جرائم القتل بكاتم الصوت وفي وضح النهار، بعضها على الطريق السريع الذي يطوق بغداد وبعضها الآخر في الأحياء السكنية، وحده المشهد هذا يثير الرعب ويُسلم الجالس في السيارة إلى مصير مجهول. الأصدقاء في بغداد تدربوا على هذا المشهد "الإرهابي" بامتياز يومياً. وهل هناك مشهد يفوق برعبه وإرهابه مشهد الجلوس في سيارة في شوارع بغداد أو على الطريق السريع؟ سيارة انحشرت وسط ذلك الزحام، حيث يقف السير، لا طريق إلى الأمام أو إلى الوراء أو ما حول، من عنده موعد عليه أن ينساه، ومن يفكر بالخروج من المأزق بترك سيارة السيرفيس أو التاكسي والسير على الأقدام سيكتشف عبث ذلك، لأن التجول في شارع بغداد يثير الشبهة عند نقاط التفتيش، (كما حصل لي أنا وهادي ماهود في طريق هروبنا من المفخخة في ذلك اليوم، "منو أنتم؟ منين جايين؟ وين رايحين؟ شتتشغلون؟"، كما أمطرنا مسؤول الأمن المدني في نقطة تفتيش في الكرادة، عيناه تلمعان كأنه ألقى القبض أخيراً على أخطر إرهابيين!) لا مفر إذن من الجلوس في السيارة والتسليم إلى قدر مجهول، الخوف يستحوذ على الوجوه، ماذا لو كانت السيارة التي تقف إلى اليمين أو إلى اليسار، التي تقف إلى الخلف أو إلى الأمام، ماذا لو كانت السيارة هذه هي السيارة المفخخة التي ستنفجر بعد لحظات؟ ماذا لو كان أحد الجالسين في سيارة الكيا أو التاكسي قد لبس حزاماً مفخخاً؟ كأننا أمام لعبة روليت روسية، حيث تدور الطلقة الوحيدة المعبأة في المسدس المصوب إلى صدغ الرأس. لكن في الروليت الروسي يتبارى ذكران أسيرا فحولتيهما "الزائفة"، يدير كل منهما القرص ويوجه فوهة المسدس إلى صدغ الرأس ويضغط على الزناد، وعندما تمر اللحظة عليه بسلام يدور قرص المسدس مرة أخرى ويسلمه إلى غريمه الذي يقف أمامه. بكلمة واحدة لعبة الروليت الروسي قدر أعمى يختاره اثنان "فحلان" يريان في التحدي طريقاً إلى الحياة، من غير المهم أنهما سيموتان. على عكس الروليت العراقي الذي لم يختاره أحد لنفسه، المواطن العراقي، والبغدادي بالذات يعرف أن خروجه للعمل وعودته للبيت مغامرة غير معروفة المصير الذي يمكن أن تنتهي إليه، لكنه لم يختر التحدي بحريته، انه يسير وحده بمواجهة مصيره، وهو عدوه "الغامض" المتخفي تحت الأسماء العديدة تلك، مرة تحت اسم القاعدة، وفي أخرى تحت اسم "دولة العراق السلامية"، وفي الأخرى تحت اسم "بقايا البعث المقبور" أو تحت جنود "الطريقة النقشبندية"، كل تلك التسميات التي اعتاد المواطن على سماعها يومياً في الراديو والتلفزيون، في المؤتمرات الصحفية لقيادة عمليات بغداد وفي تصريحات المسؤولين، عدوه الذي يظل غامضاً بالنسبة له من غير المهم الاسم الذي يُطلق عليه، هو الذي يختار له الزمان والمكان الذي تخرج الطلقة باتجاهه، الموت في بغداد يمكن أن يحدث عند باب البيت أو في الشارع، في محطة الباصات أو قبل الصعود إلى تاكسي، على الطريق السريع أو عند نقطة تفتيش، قبل الدخول إلى مكان العمل أو بعد الخروج منه، في قطاع الكرخ من بغداد أو في الرصافة من غير المهم، المواطن العراقي ينام ويصحو وفوهة المسدس مصوبة إلى صدغه، ففي النهاية العدو "الغامض" هو الذي يختار له المكان والزمان، ليس ذلك وحسب، بل هو عدوه "الغامض" هذا أيضاً الذي يختار الشكل ال
منطقة محررة: موعد مع مفخخة

نشر في: 18 يناير, 2011: 05:17 م







