TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > فــــارزة :حكومة بالتقسيط المريح

فــــارزة :حكومة بالتقسيط المريح

نشر في: 18 يناير, 2011: 08:51 م

 علي حسين المبررات التي يتذرع بها  بعض السياسيين حول تأخر حسم  المقاعد المتبقية من الحكومة غير مبررة ‮، فتصريحاتهم شيء، ‬والواقع شيء آخر‮، ‬يتكلمون بلسان ويتصرفون على نحو مغاير تماماً‮.‬ فمن غير المعقول ولا المنطقي أن تتشكل الحكومة التونسية خلال يومين فيما لا تزال الحكومة العراقية تراوح في مكانها ، يعجز قادتها عن اختيار وزراء للدفاع والداخلية والكهرباء وحتى تحديد اسم امرأة لتتولى وزارة المرأة .
 قدم لنا التونسيون نموذجا للساسة المتحضرين ، فلم نشاهد أو نسمع أن رئيس قائمة قرر أن ينزل بكل ثقله كي يحصل على منصب له أو لأحد أقاربه ، ولم نسمع أن الدولة عجزت عن أن تجد مثقفا لتضعه على رأس وزارة الثقافة فاستعانت بوزير دفاع سابق – مع احترامنا الشديد لشخص الوزير – ففي لفتة جميلة ومؤثرة اختار قادة تونس أن تكون المخرجة السينمائية مفيدة التلاتلي وزيرة للثقافة ، لم نسمع في تونس أن أهالي مفجري الانتفاضة طالبوا بمناصب وزارية ، ولم يتقدم شقيق  بوعزيزي الرجل الذي أشعل فتيل الثورة في تونس أو أحد أقاربه  للحصول على منصب في الحكومة الجديدة ، بل إن الحكومة ضمت عناصر من التكنوقراط ولم يتجرأ احد أن يعين طبيبا في منصب وزير للمالية ولم يبتدع احد وزارات وهمية تحت عنوان وزارات دولة يعادل عددها عدد وزارات الولايات المتحدة الأميركية مجتمعة  ، وان يستخدم نظاما جديدا في تشكيل الحكومات يطلق عليه اسم حكومة التقسيط المريح ، فما دام كل شيء مريح ومربح فليذهب الشعب إلى الجحيم . أهدانا أهل تونس أول ثورة شعبية عربية ناجحة قامت لأسباب اجتماعية واقتصادية. فقد كانت العادة من قبل أن الجوع والقهر عندنا لا يغيران الحكومات، وكأننا نرضى من حكامنا فقط بأن يكفوا عن قتلنا، فإن أخذوا رزقنا فهنيئا لهم فنحن أضعف من أن نثور. وكأننا تعودنا الجلوس على المقاهي بلا عمل، وكأننا تعودنا أن يحولنا الفقر إلى شحاذين ومقهورين  ثم لا نغضب، ونحمد الله على أننا لم نمت ولم نعذب ولم نوضع في قبو أو قبر. علمنا أهل تونس الغضب الحلال وأن عربة خضرة بعثرت ثمارها على الإسفلت سبب كاف ليرحل رئيس الجمهورية وزوجته وأولاده وأقرباؤه وحلفاؤه وأصدقاؤه .علمتنا تونس أن كلمة الشعب غالية ولا يمكن أن تتحول إلى نغمة نشاز بأصوات سياسيين يمضغونها مثل العلكة المستوردة . ‮في عقود مضت كان صدام وبطانته ،‮ ‬يستهلكون  كلمة‮ "‬الشعب‮"‬ كثيرا ،‮ ‬قبل الأكل وبعده وأثناءه‮.. ‬ ‬ ‮ ‬إذا قتلوا الأبرياء،‮ ‬فهذا باسم الشعب ومن أجله،‮ ‬إذا ظلموا،‮ ‬فهذا باسم الشعب ومن أجله،‮ ‮‬فيما الشعب كان آخر من يعلم أن هناك من يحس بمشاكله ويقيس ضغطه،‮ الآن‮ ‬انتقلت‮ "‬وكالة الشعب‮" ‬إلى ساسة جدد ‮ ‬ يريدون من الناس أن تحفظ قانون الحشمة وان تتخلق بأخلاق القرون الوسطى وان تخرج صاغرة تأييدا للحملة الإيمانية .للأسف إن البعض من ساستنا كأنهم لم يقرأوا بعد أحداث تونس، أو أنهم يعتبرون أننا نعيش في جزيرة معزولة  لا علاقة لها بما يجري، ومن ثم لا يجوز مقارنتها بتونس أو غيرها من بلدان العالم الآخر، ففي الوقت الذي تحاول فيه دول إقرار قوانين وتشريعات تساعد الطبقات الفقيرة  ، يخرج علينا منظروا السياسة عندنا بقوانين وقرارات تثقل كاهل الفقراء . لا يريد  البعض أن يقرأ الدرس جيدا ، وإن قرأ فهو لا يفهم، وإن فهم  فهو لا يشعر بما حوله، أو أنه ربما يعتبر أننا شعب من الموتى ، وان العناية الإلهية أرسلته لإعادتنا إلى الحياة .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الكهرباء تحدد موعد تشغيل الربط الخليجي ومنصة الغاز.. والجباية ترتفع إلى 44%

من التراث العالمي إلى العطش.. أهوار ميسان تحتضر

غبار كثيف يجتاح البلاد السبت.. نصائح عاجلة

هيئة النزاهة تشكل فريقاً للتحري عن حادث الزعفرانية

واشنطن تهرب آلاف أجهزة "ستارلينك" إلى إيران سرًا

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram