وديع غزوانظهرت بعد 2003 مفاهيم كثيرة ما زلت موضع نقاش واختلاف وتباين بين شرائح مختلفة من المجتمع بل بين السياسيين أنفسهم، خاصة في ما يتعلق بالفيدرالية واللامركزية وحدود صلاحيات الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية, ومثل هذا يكون طبيعياً في بلد كالعراق، اعتاد، منذ تأسيس دولته في 1921 على طبيعة حكم مركزية تجتمع فيها السلطات في قبضة جهة واحدة.
ومن المفارقات ان هذا التوجه ازداد صرامة في زمن (الحكومات الثورية) في العراق وغيره من بلدان العالم الثالث وبشكل خاص محيطنا العربي.نقول ان من الطبيعي ان يكون لمثل هذه المفاهيم في الفيدرالية او اللامركزية بريقها بعد سنوات من التسلط والتدخل في ابسط الأمور وأتفهها، غير ان من الطبيعي أيضاً ان لا ينسينا ذلك واجباتنا في ترسيخ قيم ومفاهيم المواطنة الحقة، خاصة عند المسؤولين في مجلس النواب او في الحكومة الاتحادية، الذين يفترض ان يكونوا أكثر وعياً في التعامل مع مثل هذه الأمور، وان يعمل كل واحد منهم لصالح كل العراقيين وبمختلف مكوناتهم دون فرق،يدافع عن مصالحهم ويعمل من اجل تحقيقها بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة ليس غير، بعيداً عن النظرة الضيقة، فعضو مجلس النواب ومن أية محافظة كان يمثل تحت قبة البرلمان كل العراقيين ولا يمثل فقط محافظته، رغم انه فاز بمقاعده فيها، لكن ينبغي ان يكون دوره أوسع واشمل دون ان يعني ذلك التخلي عن واجباته تجاه أبناء محافظته وأهمية اللقاء بهم، ليكون مع غيره من أعضاء المجلس الآخرين عين العراق الكبيرة التي تنظر الى كل أجزائه نظرة واحدة لا تفرق فيها بين البصرة والموصل ودهوك وميسان وأربيل وبغداد والسليمانية والنجف او الانبار او صلاح الدين الا بقدر ما تحتاجه كل محافظة من مشاريع وخدمات فعلية . ومن الغريب، في الوقت الذي نسمع فيه من كل الكتل تأكيدها ضرورة تعزيز قيم المواطنة و التخلي عن النظرة الفئوية الضيقة المناطقية او الحزبية، ان نجد من يطالب بتمثيل محافظته او مكونه العرقي في هذه اللجنة او تلك من لجان البرلمان او يطالب الآخر بان تكون لمحافظته حصة في الحقائب الوزارية، منطق لا يمكن ان يؤدي حقاً الى بناء دولة مؤسسات او حكومة اتحادية ينظر لها الجميع بأنها حكومة كل العراقيين، وإذا كان مقبولاً مثل هذا الفهم القاصر عند المواطن البسيط، فانه مرفوض عندما يصدر من نائب او أكاديمي وباحث، لانها، كما نعتقد لا تصب في خدمة العراق ومستقبله.نعم مطلوب مرونة ولامركزية في حدود العلاقة بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية (مجالس المحافظات) التي لم تنضم الى إقليم, غير ان هذا لا يكون على حساب ضياع او تهميش وإضعاف مفهوم عزيز علينا وهو عراقيتنا، التي تجمع الكردي بالعربي والتركماني بالاشوري والازيدي والصابئي بالمسلم والمسيحي.. انه مفهوم كبير وغال تتمسك به كل الشعوب بما فيها شعوب الولايات المتحدة الأميركية (لمن يريد ان يتخذها نموذجاً) التي لا تألو من ترسيخ مفهوم الأمة الأميركية بين مواطنيها، لذا فليس نكوصاً عن الإيمان بالفيدرالية او اللامركزية ان نتمسك بعراقيتنا، فبدونها نحن ضعفاء.مرة أخرى نتمنى ان يتعامل المسؤولون نواباً وغيرهم على وفق هذا الفهم، ومثل هذا الأمر ينطبق على ممارسات بعض المحافظين ومجالسهم عندما يتصرفون وكأنهم في دولة أخرى، فيمنعون وصول الكهرباء الى العاصمة بغداد وبعض المحافظات كما فعل محافظ كركوك، ومثلما فعل قبله محافظون آخرون.. علينا ان نتصرف وكأننا عراقيون.. عراقيون.
كردستانيات: لكي لا ننسى عراقيتنا

نشر في: 19 يناير, 2011: 05:15 م







