علي الأمين يدخل طه سالم الثمانين من عمرة المليء بالمنجزات والإبداع وهو يتحصن ضد الأوهام، مولع بالحقيقة، العارفون به يقولون إنه يولد مرة بعد مرة وفي كل مرة يكون شخصاً آخر، لأنه مولع بالبحث عن الحقيقة، ويرى أن تحولات الكتابة هي استجابة صادقة لقلق الروح والمخيلة، ونقرأ له: "منذ البداية كنت أفكر بالمتلقي وأتساءل إذا كنا جميعاً نقول الشيء
نفسه تقريباً، مسايرة للوضع العام أو مناهضة له فالأهمية إذن لم تعد في القول وإنما في كيفية القول، أي إن المسرحية عليها أن تنتقل من المضمون إلى الشكل".تساءل طه سالم: ما الذي يميز كاتباً عن آخر إذا كتبا في مضمون واحد؟ لماذا يعجبني الأول ولا أتوقف عند الثاني؟ لا بد أنه الشكل. كان مأخوذاً بأهمية الطريقة باعتبار أن الكتابة للمسرح هي سعي جمالي لاكتشاف التجربة الإنسانية بحساسية تليق بها، ولمنح النص فرصة أن يقول شكلاً جديدا.ًفي تجربة طه سالم كما أرى نقلات عدة، ففي أعماله الأولى مثل "فوانيس" و "طنطل" و"قرندل"، نجد الاهتمام بالشكل المسرحي يرافق الاهتمام بمضمون النص، حيث يصبح المسرح أداة لتغيير العالم من منظور الكاتب. كان هذا حتى منتصف السبعينيات، لكنه ابتداءً من تراب وورد جهنمي في أوائل الثمانينيات راح يخرج من تحت جلده شخصاً بعد آخر كلهم باسم طه سالم لكنهم لا يشبهون بعضهم بعضاً، وفي هذه التحولات اختفى الكاتب الدعائي. كان طه سالم يتحول من المباشرة إلى التجريب في الرؤية والكشف، من الظاهر إلى الباطن، من المسرحية الواقعية إلى المسرحية التجريبية، وحتى النص ذو الفصل الواحد الذي يظهر في أشكال عدة تخفّت من هيمنة الخطاب وتجعل الشكل دالا واحداً من دوال المسرحية. في تحوله الثالث انفتح طه سالم على التجارب الحديثة في المسرح، ليحاول الاقتراب من كتابة نص مسرحي تكون الكلمة فيه جزءاً لا يتجزأ من الشكل المسرحي. وكما فعل مع إبراهيم جلال في فوانيس حيث التقت مخيلتان في أبهاء نص واحد. تجربة طه في هذه المرحلة تجربة جمالية وجودية تستكشف حياة الكائن الظاهرة والباطنة، وهي تختزل كشوفه في الشكل وتكثفها بوجازة التقطير. إن الحشد الذي اسمه سالم يعني أن كل كتابة جديدة هي علاقة مختلفة بالآخر وبالعالم. "لا أحد اهتم بالتجديد في المسرح مثلي، سعيت إلى محاكاة الجديد في المسرح العالمي وأيضاً إلى استلهام الحكاية الشعبية وتوظيفها في إطار مسرحي حديث اطرح من خلالها أفكار العصر".المسرح سلطة، هكذا أعتقد ويؤمن طه سالم، إذ تتماهى سلطة المسرح مع سلطة الواقع ويصبح على الفنان أن يعبر عن ذاته المتمردة بكسر الشكل وإعادة بنائه مرة بعد مرة، ليأخذ في كل مرة شكل الحياة وشكل العالم في تحولاته.الإبداع عند طه سالم ثقافة مختلفة وفكر آخر وبحث في فضاءات جديدة لكتابة تفارق السائد والمسيطر، هكذا يصل طه سالم بالمسرح بالفكر النقدي مفككاً الخطابات التقليدية، مقدما لنا نحن المتلقين أفعالا مسرحية تحاكي الواقع، لكنها تصنع من الخيال أجنحة يطوف بها المتفرج إلى عوالم جديدة. يصر طه سالم على التحليق عاليا ونصر، نحن محبيه، إلى النظر إليه وهو يخطو بثقة في عالم من الشخوص والحكايات التي تؤكد لنا كل يوم أن صاحب "فوانيس" واثق الخطوة يمشي ملكاً.
العمود الثامن :واثــق الخطــوة

نشر في: 19 يناير, 2011: 06:23 م







