TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > سلاماً يا عراق: درس مصري آخر

سلاماً يا عراق: درس مصري آخر

نشر في: 31 يناير, 2011: 07:48 م

 هاشم العقابيلا تحتاج إلى زمن طويل كي تعرف طبيعة شعب مصر وكيف يفكر. ستة أشهر عشتها هناك كانت كافية جدا أن تعلمني كيف أتعامل وأتفاعل، أيضاً، مع المصريين من مثقفيهم إلى بسطائهم.أهم ما يجلب الانتباه هو أن المصري يعرف معنى الحكومة. فهو لا يهمه دينها أو مذهبها أو شكلها. انه يقيمها من خلال أدائها، المصري يصد حكمه على حكومته من خلال سعر الطماطم والعيش وصحن الفول والكشري وحجم البطالة وتوفر المواصلات وباقي الخدمات العامة. "ده واجب الحكومة". هكذا يقولها المصري بيقين مطلق.
إنسان يحكم على الحاكم بهكذا طريقة، أجده اقرب للشعب البريطاني الذي حين لم ينتخب تشرشل، رغم انه دحر النازية. لم ينتخبوه لأنهم وجدوا انه لن يوفر لهم نظاما معيشيا واجتماعيا جيدا، رغم انتصاره في الحرب وإنقاذه بريطانيا من السقوط تحت الاحتلال النازي. يرى المصري أن الحكومة تعمل مقابل أجر وامتيازات لذا عليها واجبات تؤديها مقابل ما تكسب أو تسرق. من هنا لا تجد مصريا يعمل نيابة عن الحكومة أو يدافع عنها حين ينتقدها الناس."دي مش شغلتي".ولأنه شعب صبور بالفطرة، يصبر كثيرا ويتحمل كثيرا لكنه، هو وليس غيره غيره، ردد بـ"آه" طويلة مع أم كلثوم: "إنما للصبر الحدود". ومن ذا يقف بوجه شعب إذا خانه الصبر؟ انتهى صبر المصريين بعد أن فاض بهم وملوا، فخرجوا على الحكومة لا ليفاجئوها، وحسب، بل وفاجئوا العالم كله. فقط الذي يعرف شعب مصر جيدا لم يفاجأ. اغلبنا فوجئ بخطاب حسني مبارك ووصفه بأنه ظهر وكأنه لا يعرف ما يريه شعبه. الحقيقة انه يعرف جيدا ماذا يريد الشعب، لأنه ابن مصر وهو أدرى بشعابها. الشعب ضد أداء الحكومة فقال له مبارك غدا سأغيرها. من الطبيعي أن هذا لا يرضي السياسيين ولا الثوريين لان أهدافهم وغاياتهم ليست كما هي غايات الشعب. الإسلاميون يرون أن الإسلام هو الحل. والليبراليون يرونه في التجديد والثوريون بقلع الجذور من الدستور إلى الرئيس (من الباب إلى المحراب). هم يريدون شيئا والشعب يريد شيئا آخر. الشعب يريد حكومة غير التي جربها ولم تحسب له حسابا وينتظر ليرى أداءها.الحس والهم الشعبيان لا يلتقيان، بالضرورة مع هم الناس خاصة بمصر. لذا لم تجد في هبة أهل مصر شعارا أو يافطة لحزب مهما كان دينه أو مذهبه. إنها ثورة شعبية خالصة لذا أخافت السياسيين بعد أن فاجأتهم أيضا.ربما يعترض احد على ما ذهبت إليه بالقول: انه لولا انتفاضة تونس لما انتفض الشعب المصري. لا أنكر هذا أبداً، لكن تأثير ما حدث بتونس، لم يعلم المصريين الثورة، إنما عجل في كسر عتبة الصبر عندهم فمزقوا ثياب الصبر وانتفضوا. هذا من جانب، ومن جانب آخر، أن الحكومة المصرية قد أخطأت في رهانها على صبر المصريين فخسرت الرهان بين يوم وليلة وصارت لا تدري ما تفعل وهي ترى أن ما قالته أم كلثوم صار واقعا. لقد تحول الصبر بعد أن فاض إلى طوفان شعبي لا يصده حتى السد العالي.هذا الطوفان الجماهيري الرهيب اكتسح قوى الأمن التي لم تجد طريقا لها غير الفرار. فرت قوى الأمن وصمتت الحكومة وحدث فراغ أمني مخيف فتح ساحة واسعة لفئران السطو والجريمة لتخرج من جحورها، خاصة في جنح الظلام.ولأن الحكومة قد اختبأت والفئران خرجت من "زواغيرها" لتنشر الرعب في "درابين"مصر، صحي الشعب لدوره: "مدام مفيش حكومة ولا شرطة تحمي الناس من اللي هيه فيه صارت الشغلة شغلتنا بقه". وفي خلال أربع وعشرين ساعة، لا أكثر، مارس الشعب، خاصة الشباب منه، دور الحكومة ليخلص الناس من الرعب والسلب والنهب. انه درس عميق لا يدركه إلا من يفهم كيف يقرأ قاموس طبيعة المصريين. انه ليس قاموسا مكتوبا على الورق ليفهم عن طريق القراءة، بل يفهمه فقط المصريون أو من عاش بينهم بتفاعل، لا بطريقة من يشاهد لعبة كرة قدم على التلفاز.وللحديث بقية..

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram