نجم والي لابد من أن نطلق عليه بيت الأحلام، أعتقد أنها التسمية التي تليق به أكثر من أية تسمية أخرى. أتذكر أنني كلما مررت به وتوقفت عنده في تلك الأيام، عندما كانت البلاد ما تزال تُسمى الجمهورية العراقية، فكرت بالأوسطة الذي بنى ذلك البيت، كان زمن الأوسطوات (قبل أن يبدأ لاحقاً زمن المعماري والمهندسين)،
وكان تفننهم الفطري أقرب للخيال منه للواقع، فمن يرى البيت بتصميمه وقوته حتى اليوم سيندهش لمهارة الأوسطة سيد كاظم ابن عارف الذي بنى بيتاً فخماً من هذا الطراز لكنه أنيق في نفس الوقت، كل شيء فيه جميل، شكل الأقواس، ابواب الغرف، درابزون السطح، الشبابيك الخشبية، الشرفة العريضة الواسعة المساحة التي تطل على شاطئ دجلة، كأن اليد التي وضعت لبنة على لبنة في هذا المكان المنزوي قليلاً عن شارع الرشيد مسدت عليه أو نحتت حجارته أو لبخت طابوقه بحنان، كأنها عرفت أنها لا تبني بيتاً لرجل سيقضي حياته أعزب، لن يتزوج حتى بعد بناء بيت له بهذا الحجم، بيت كبير بالأحرى يسع عائلة كبيرة، إنما تبني مكاناً يليق للأحلام، نعم، كأن الأوسطة البغدادي ذاك عرف بحسه الفطري الذي لم يعرف مدرسة، أن البيت هذا لابد من أن يكون واسعاً بسعة أحلام الرجل الذي سيسكنه، لابد من أن يحتوي على غرف وطوابق عديدة بعدد أحلام الرجل الذي سينام ويصحو فيه، ثم وكأنه حدس أيضاً، أن البيت سيظل في مكانه هناك على شاطئ نهر دجلة، ليس شاهداً على حكومات تعاقبت لم تنجح بمحو البيت من ذاكرة التاريخ وحسب، بل أكثر من ذلك شاهداً لأحلام أوسطوات رحلوا، وأحلام أسطوات آخرين قادمين.كان لابد من أن أفكر بذلك وأنا أجلس قبل ثلاثة أربعاءات عند شرفة البيت ذاته. في الأربعاء العذب ذلك، (أو الأربعاء الذي أصبح عذباً أولاً عند جلوسي هناك على الشرفة المطلة على نهر دجلة بعد مجيئي هارباً من سيارة مفخخة وقفت أمام المسرح الوطني)، في الجلسة تلك التي جمعتني مع هادي ماهود وبشير ماجد وعدي رشيد ومحمود الدراجي وعطية الدراجي وآخرين انضموا لنا في نهاية الجلسة، سينمائيين عراقيين من مختلف الأعمار، بعضهم بعمري والبعض الآخر مازالوا شباباً، في الجلسة الأكثر من عذبة والتي هي واحدة من جلسات نادرات عشتها في بغداد مثيلاتها للأسف لم تتعد عدد أصابع اليد، عرفت أكثر من أي وقت مضى، أن البيت هذا الذي بناه أوسطة عراقي مغمور ووضع فيه كل ما ملكته مخيلته من مهارة وإبداع لا يمكن أن يكون بغير هذا الشكل: معمل إنتاج للأحلام.عرفت البيت أولاً في بداية سنوات السبعينات عندما جئت للدراسة في جامعة بغداد، كان حديث البعض منا، خاصة أولئك القادمين من مدن غير بغداد، كان بيتاً فخماً على شاطئ دجلة وكان لافتاً للنظر ولحسن الحظ من أجل الدخول إليه أو معاينته بشكل جيد كان لابد من الالتفاف عليه من جهة النهر، كنا نحتال السبح في النهر أو الجلوس عند الشاطئ، ولا أتذكر أن أحدنا دخله من بابه الرئيسي من جهة شارع الرشيد، أتذكر أيضاً أن أحدنا إذا لفظ اسم صاحبه الأصلي، كان عليه أن يقول ذلك بصوت أقرب للهمس، إن لم يتحدث عن البيت دون ذكر الاسم، أتحدث هنا عن أعوام 1973 وبعدها، كانت السلطة البعثية قد أعدمت قبل 3 سنوات من ذلك التاريخ مواطنين يهوداً وشيعة، بحجة التجسس لإسرائيل، وكان لفط اسم يهودي في تلك الأيام يمكن أن يثير الشبهات، من غير المهم أن صاحب البيت الأصلي مات قبل سنوات طويلة، من غير المهم أن صاحب البيت الذي قضى سنواته الأخيرة هناك لا علاقة له بإسرائيل، وأنه مات في 31 باريس في آب/أغسطس 1932، قبل تأسيس إسرائيل بستة عشر عاماً، بل من غير المهم، أن الرجل هذا عراقي حتى النخاع، ليس لأن الخاتون مسز غيرترود بيل قالت عنه، "أنه أقدر رجل في مجلس الوزراء، انه صلب قليلاً وينظر إلى الأمور من وجهه الحقوقي الدستوري دون ان يعطي اعتبارا كافيا لأحوال العراق المتأخرة لكنه حر ونزيه إلى ابعد الحدود، وهو لا يتمتع بالمقدرة الحقيقية فحسب، بل له خبرة واسعة"، أو لأنه وضع الحجر الأساس للاقتصاد العراقي وأرسى نظاماً مالياً وفق معايير دقيقة،rnيتبع
منطقة محررة :أربعاء عذب فـي بيت الأحلام

نشر في: 1 فبراير, 2011: 05:42 م







