علي عبد السادةهل يعرف العراقيون دورهم في فلم الفكاهة الراهن؟ اظنهم نعم يفعلون، دون ان يستغرقوا في الضحك. وذلك لا يخفف من حسرة"الامة"على رجالاتها، انهم يختنقون بشكوى"الفساد"ويغصون بوعود مع وقف التنفيذ ويخشون هروب"الجرذان"يوم تغرق السفينة.وهذا امر يغفله صانعو كذبة (الحرص) على (مصالح) العامة، تحت غطاء لم تحمه الاعلانات المتلفزة، والخطب الرنانة، والوجوه الحليقة النظيفة التي تزين منصات المؤتمرات.. يجهلون ان العراقيين يعبرون الحيل بمزاجهم.. الى حين. وأي حين آت.
العراقيون يعرفون دورهم الصغير، بل الصغير جدا، يقدرون الهامش المخصص لهم، ويراقبون بقية ادوار البطولة المهمة في تاريخ هذه البلاد:"حكاية الشراكة بدأت بصفقة لبيع الوزارات".احد عرابي تشكيل كتلة سياسية مهمة قال لمرشحيها:"هذه (فلوس) حملاتكم الانتخابية، وحين تفوزون أقبضوا على الوزارات الخدمية ووفروا عقودها ومشاريعها لي".حدث ما حدث، وركض الفائزون الى حقائب فيها ما"يمس معيشة الناس"– هكذا هللوا – وقبضوا بالايادي والاسنان عليها. ثم قالوا:"بقي من الشراكة لتتحقق.. محاربة الفساد". وكان هذا قرص تهدئة قصير الامد، لحين تصفية الحساب.بهذا تحول وجه إجرائي (الانتخابات) للحياة الديمقراطية الى ميدان يضم دائنين ينتظرون الصفقات المسربة من مكاتب الحكومة، ومديونين مهمتهم حفظ جمل عن (الاستقرار)، (التغيير)، (الاعمار)، (القانون) ستكون ضرورية لكسب الوقت مع الناخبين.قبل الانتخابات، وبينما يجمع ذلك العراب، وغيره كثيرون، خيوط كتلته السياسية ويدفع صكوك حملات دعايتها، تأمل الجمهور في تغيير سياسي، وليس في تبديل وجوه، تأمل في حكومة تلمس جروح المطحونين والمنسيين، وليس في كابينة تجار، تأمل في عراق يحترمه مواطن كامل الحقوق، وليس في شلة ترتقي تل خراب (الداخل) لتتسكع، مترفة، في ما بين فنادق (الخارج).في غفلة من زمن الغضب المؤجل، ينتهز مرتدي اناقة السياسة فرصة السلطة للانقضاض على قوتها، وهي في الاصل نفوذ ومال، وهم دون شك مصممون، في ظل فسحة يتركها كسل الشارع وبروده الراهن، على مواصلة سمنة الجيوب؛ عقارات ومصالح ضخمة وارصدة خضراء وعربات مصفحة وخيوط طويلة تصل الى مجاميع المال القذر اقليميا. وأصلها ومفاتيح ابوابها مكاتب وزراء ومسؤولين تسلل اليها تجار انتخابات.قبل شهر، تقريبا، من انتخابات السابع من آذار سألت مرشحا عن قائمة هي اليوم متصدرة لمشهد الحكومة، وكان يروم التمثيل عن جمهور احدى محافظات الفرات الاوسط:"لِمَ رشحت نفسك؟". لم يستغرق طويلا ليجيب:"نواب البرلمان ليسوا احسن مني، هم يربحون كل شيء.. المنصب، المال، السلطة، السمعة، وربما الوزارة". كان هذا نموذجا لاخرين سنحت لي مهنتي التعرف على خريطة وصولهم الى الحكومة او البرلمان، كان منهم كثيرون تلقوا وعودا بمنصب هنا او هناك، ولم يخل الامر من دفع اموال والحصول على ضمانات، كان الامر مثل بازار متشعب لبيع المراكز. في هذا السوق العجيب بدا صوت الجمهور خافتا ومغيبا.(هذا وقتنا.. زماننا) هكذا يهمسون لبطونهم المحالة كروشا بفعل صوت انتخابي طلبوه غاليا، ورموه رخيصا فور اعلان شراكة ظاهرها تهدئة خواطر الحلم الديمقراطي، واصلها وجوهرها، فتك لبديل صدام.وبينما لا نجني ثمار الفعل الديمقراطي المجرد بالتصويت سوى مزيد من الاحباط، ولا تزال العجلة متوقفة عاجزة في الشارع، فقط لان النخبة السياسية تريد انهاء ترتيبات الحصص. يحق لجميع العراقيين القول، الان، انهم لم يفعلوا شيئا، ولم يغيروا حالا بائسا.امام هذا الحال المعقد، ونظرا لاستثنائية التحول العراقي، فمن حسن الحظ، لا يعد الكلام او الصراخ او تدوين الاسى – كما أفعل– مخالفة مرورية، او تهمة جنائية، او حتى خرقا فاضحا للدستور. فهذا ما تبقى مما نمتلك في مواجهة خراب منظم على طريقة قوى تقترف الاحتيال على الجمهور. فما يجري اليوم من صراع ليس الا مفاوضات لتسديد فواتير حساب الانتخابات، وعلينا، دون حول او قوة، الانتظار.
بالعربي الصريح: بازار بيع الحكومة.. وديون المرشحين

نشر في: 2 فبراير, 2011: 07:12 م







