TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > سلاماً يا عراق:بعران!

سلاماً يا عراق:بعران!

نشر في: 6 فبراير, 2011: 08:51 م

 هاشم العقابيلم تستوقفني الخيل التي داهمت المتظاهرين في ميدان التحرير بالقاهرة مثلما استوقفتني هجمة البعران. فالخيل قد تذكرنا بالفروسية وربما بجدنا المتنبي الذي كان يصدح أن الليل والخيل والبيداء تعرفه. لكن حين جد الجد لم يعرفها ولم تعرفه إلى أن جاءه من ذكرّه بقوله فورطه فراح ضحية ما ادعاه. أما البعران، التي هي في اللغة العربية جمع بعير، فلم أجد لها في ذاكرتي إلا ما لخصه العراقيون في وصفهم عديم الإحساس بأنه بعير (بفتح الباء).
كنت مثل غيري، وأنا أتابع أحداث الانتفاضة المصرية في ميدان التحرير ومدن أخرى بمصر، ارسم سيناريوهات متعددة في ذهني حول ما ستؤول إليه الأمور. بعضها تحقق وبعضها لم يكتب له النجاح. لكن أن يمر في بالي أن تدخل البعران على الخط، هذا ما لم يكن بالحسبان، ولا أظنه كان بحسبان غيري أيضاً.كانت ابنتي الصغرى هبة مشدودة مثلي للأحداث فصاحت بدون وعي: هاي شنو بابا دتشوف البعران؟ لا ادري ما الذي أوحى لي أن أجيبها: نعم بابا أرى البعران تقودها بعران. ردت بجدية صارمة: لا أن من يقودها بشر. أجبتها انتظري وسوف تعرفين أن من يقودها بعران مثلها.من قوانين علم النفس، التي يتفق عليها النفسانيون، قانون التداعي. انه يعني باختصار أن ما تراه أو تسمعه يثير في ذهنك أو مخيلتك تداعيات متشابهة وأخرى متضادة. فالتداعي بالتضاد يعني إني لو قلت لك كلمة اسود ستتذكر ابيض. أما التداعي بالتشابه فأنك لو سمعتني أقول دجلة ستتذكر الفرات. وهذا قانون اكتشفه المرحوم فرويد وصار يعتمد كطريقة أساسية في طرق التحليل والعلاج النفسيين.الصورة أمامي، بكل ببساطة ووضوح، تعرض بعرانا تهاجم شبابا ينادون بالحرية. سرحت، وأنا أراها، في عالم التداعيات المتشابهة. أول ما حضر في ذهني صوت الشيخ عبد الزهراء الكعبي وهو يقرأ "المقتل" فتصورت الإمام الحسين مع لفيف قليل من صحبه ينادي ويقاتل من اجل الحرية وأعداؤه يحيطون به ببعرانهم يرشقونه بالسهام والحجارة. ثم تحول ميدان التحرير وكأنه ساحة 55 في مدينة الثورة (تسمى الصدر الآن) ومثلت تشابيه العاشر من محرم أمام عيني. فها هو جبار مناتي الذي يمثل دور الشمر راكبا بعيره ومثله سعدون النفاخ بدور عمر بن سعد وحسين أبو الصجم بدور حرملة. كلهم يهرولون نحو الإمام ببعرانهم.واشتغل قانون التداعيات عندي فتذكرت فتنة الجمل وعاتبت طه حسين، بقلبي، على عدم تسميتها "فتنة البعير" خاصة وأنا أرى أن ما يدور حول ميدان التحرير فتنة لا غبار عليها.وفجأة طل أمامي بوضوح الأستاذ الحاج كامل الزيدي رئيس مجلس محافظة بغداد راكبا بعيره مع جوقة على ظهور البعران تداهم اتحاد الأدباء. تطلعت بوجوه الأدباء الحائرة فلمحت الفريد سمعان مذهولا لا يدري ماذا يصنع أمام صولة البعران العارمة.أفاقني من سرحاني، أو ربما صفنتي، صوت شابة مصرية من بين الجموع التي تناشد الحرية منادية بوجه البعران: "سلمية.. سلمية" فارتفعت أصوات الآلاف مرددة ما تقول فكان للهتاف دوي يهز عرش اكبر طاغية.شيء كما العدوى دفعني إلى أن أقف هاتفا:إن الذين:-يطفئون النور ويريدون نشر الظلام بالعراق.. بعران.-يمنعون مهرجانات الموسيقى والمسرح والسينما.. بعران.-اقتحموا كنيسة سيدة النجاة وروعوا الأطفال والنساء وقتلوا الأبرياء.. بعران.-فجروا زوار الأربعين.. بعران.-داهموا اتحاد الأدباء.. بعران.-هاجموا نادي عشتار الثقافي.. بعران.-اغتالوا كامل شياع..بعران.-يمنعون الحريات العامة.. بعران.-ضربوا المتظاهرين بالحمزة الشرقي بالرصاص.. بعران.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram