هاشم العقابيمثل الكثيرين، ما زالت أحداث انتفاضة الشعب المصري تشدني لمتابعتها اولا باول. ومثلهم ايضا اطمح بنهاية سعيدة لما يدور هناك. لذا تجدني افرح تارة، واضع يدي على قلبي، تارة أخرى، خوفا من أن يأتي من يسرق ثمارها، او، لا سمح الله، يجهضها. وخوفي هذا له اكثر من مبرر خاصة لاني عراقي لم أذق طعم فرح حقيقي منذ عقود. ويكفي ان فرحتي الوحيدة يوم سقوط صدام لم تدم طويلا بعد ان سرقها اللصوص من بين ايدي الشعب الذي صار في يوم درعا بشريا لحمايتهم من بطش الطاغية، لكنهم تنكروا له لحد ان بعضهم أذاقه طعما امر من طعم أيام صدام السود.
أجمل ما في متابعة ثورة شعب ينتصر هو ان تفاجئك الأحداث بما يسر النفس او يعيد في بالك ذكريات لايام خلت. فيوم امس حدثت اشياء في ميدان التحرير ذكرني بعضها بوقفة الحسين، لكنها احداث بنكهة مصرية. فبينما كنت اتابع الثائرين في الميدان عادت صور كانت ترتسم بخيالي حين كنت استمع لقصة استشهاد الحسين، منذ طفولتي، من خلال قراءة المقتل في العاشر من محرم كل عام. حين صلى المسلمون من المتظاهرين تحيطهم الدبابات ويتربص بهم"الشقاوات (البلطجية) استحضرت صوت المرحوم عبد الزهرة الكعبي يتحدث عن كيف صلى الإمام بجماعته صلاة والأعداء يرشقونه بالنار والحجارة. ثم صلى المسيحيون وهم يرفعون الصليب فلاح بمخيلتي وهب النصراني الذي هب يناصر الحسين والصليب يتدلى على صدره كما كنت أراه في مسرح التشابيه.أعلن المتظاهرون زواج شابين من بينهم، فتذكرت زواج القاسم بن الحسن من سكينة بنت الحسين، وكيف كنا نضيء الشموع في الشوارع فرحين بعرس ثوري ليلة زفة القاسم.امتزجت الأغاني والهلاهل بأهازيج المناداة بالحرية. وارتسمت على وجوه الشباب ملامح الفرح والحب في جو يحيي النفوس ويسقي قلوبهم، المتعطشة للحياة الحرة، كأسا لا يظمأون بعدها ابدا. شباب يرفضون الذل وكأنهم يقولون"هيهات منا الذلة"كما قالها الحسين لكنهم طبقوها، مثله، بالفعل لا بالقول.تساءلت وانا مندمج مع المشهد الذي أراه: اليست هذه تظاهرة للفرح؟ الفرح يخيف الطغاة اذن. فلو كسّر المتظاهرون اعوادهم وطبولهم وخنقوا اغانيهم وهلاهلهم واستبدلوها بالبكاء والنحيب، فهل سيهابهم الطغاة؟ ولا تنسوا انهم قدموا شهداء وجرحى يفوق عدد شهداء كربلاء.فعلام نبكي حين نتظاهر حول الحسين المنتصر؟ لا أقول دعونا نغني او نزغرد بل فقط لنفرح ونحن نقصد ثائرا ضحى من اجل امته وهو يرى ان دمه لم يضع هدرا ويمتزج بدم شباب اليوم الذين انتفضوا كي يكونوا احرارا في دنياهم.ما الذي يسعد الحسين اكثر من ان يرى شعبا ينتصر على طاغية؟نعم، ان الجريمة التي تعرض لها الحسين وعائلته وصحبه تدمي القلوب وتدمع العيون باسبابها، لكنها كثورة، وبحساب الثورات، تفرح القلب بنتائجها خاصة ونحن نعيش افراح ما حدث بتونس ومصر.فماذا سنخسر لو تركنا البكاء ورفعنا شارة النصر حين نزور الإمام خاصة وانه ثار على ارضنا وليس على ارض غيرنا؟وماذا لو وقفنا وقفة مليونية ولو صامتة أمام من سرقوا البلاد وزرعوا فيها جيوشا من الفقر والبطالة وصاروا يطاردون الناس لسلب حرياتهم؟فهل ستظل الكهرباء مطفأة؟ وهل سيتجرأ عضو او رئيس مجلس محافظة ليعطي الاوامر لقتلنا بالرصاص الحي؟ وهل سيتجرأ همجي على مداهمة بيوت الثقافة والفن والتواصل الاجتماعي، او يهدد بقطع الموبايل أو الانترنت التي صارت كالماء والهواء في عصرنا هذا؟
سلاماً يا عراق: الحسين في ميدان التحرير

نشر في: 7 فبراير, 2011: 07:46 م







