TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > منطقة محررة :أربعاء عذب فـي بيت الأحلام

منطقة محررة :أربعاء عذب فـي بيت الأحلام

نشر في: 8 فبراير, 2011: 04:30 م

نجم والي 2-2 أو لأنه كما تقول سجلات مفاوضات النفط مع الانكليز هو مَنْ "أشار على المفاوض العراقي إضافة كلمة (ذهب) على جملة (أربعة شلنات) عند احتساب عوائد النفط لكي يضمن استقرار نسبة العوائد"، أو لأنه شغل منصب وزير المالية 5 مرات في فترة الحكم الملكي، كأن كل الحكومات أجمعت على كفاءته ونزاهته، أو ليس لأنه مات ولم يملك شركات وحسابات مالية سرية
مسجلة باسمه أو باسم أحد أفراد عائلته، بل أكثر لأنه من سياسيين قليلين كلما تذكرهم الناس، قالوا، "الله يذكره بالخير"، كما سمعت على لسان جدي عشرات المرات.من ينسى ساسون حسقيل، أول وزير مالية عراقي(27 تشرين الأول 1920 في حكومة عبد الرحمن النقيب) ، ساسون أفندي كما سماه العراقيون (البغادة بصورة خاصة) من مجايليه الذي لم تستطع كل الحكومات المتعاقبة من محوّ اسمه عن البيت؟ أكثر ما لفت نظري في البيت ذي الطابقين في حينه، هي القصص التي دارت حول مكتبته الشخصية الفخمة، قيل أن كتبه احتلت أغلب غرف البيت، وأنها أكبر مكتبة شخصية عرفتها بغداد، كتب بمختلف اللغات، باللغات العربية والتركية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية والأسبانية والألمانية، كل اللغات التي أجاد القراءة والكتابة بها، للأسف ضاعت أغلب الكتب هذه بعد استيلاء الحكومة البعثية على المكتبة عام 1970 في موجة إعدام اليهود ومعارضيها، قيل أنها أودعتها مكتبة المتحف العراقي، لكنني شخصياً لم أعثر عليها في كل زياراتي للمتحف!في ذلك الأربعاء العذب كان لابد من أن أتذكر ذلك، وكيف أن البيت ظل مغلقاً سنوات طويلة، لابد من أن السلطة البعثية حارت ماذا تعمل به، أو ربما فكرت أن الناس ستنسى مع مرور السنوات اسم مالكه، خاصة بعد تركه مغلقاً لسنوات. فقط في أواسط سنوات الثمانينات تحول البيت هذا إلى صالة للعرض، هناك عُرضت مسرحية دخلت وجدان الجمهور العراقي، مسرحية "ترنيمة الكرسي الهزّاز" (تأليف فاروق محمد وإخراج عوني كرومي)، ستة أشهر ظلت المسرحية تُعرض في البيت، وكانت الممثلتان الشابتان إنعام البطاط وإقبال نعيم، بطلتا المسرحية تدوران وسط غرف البيت، تصعدان سلالم البيت، تطلان من الدرابزون، من بالكونة البيت، إنعام البطاط بدور المغنية الكهلة قعيدة البيت التي لم تيأس، ووصيفتها التي تواسيها وتطلب منها الهدوء، المرأتان كانتا تتنقلان وكان الجمهور يطوف معهما في البيت، البعض حمل – كما روت لي إنعام - في يده مسجلات ليسجل أغاني إنعام وهي تناديبصوتها الحالم "لازم يجي"، على رجل الأحلام الذي انتظرته عبثاً في بلاد الخراب، الكل كان بانتظار غودو(اه)العراقي، كأن صوت إنعام كان يطرد الغبار عن أحلام قديمة نامت في البيت هناك، كأنها في حركتها تبعث روحاً للأحلام!الكل سجين حلمه، المرأتان والجمهور، لكن أليس ذلك هو ديدن البيت دائماً، معمل لإنتاج الأحلام؟واليوم، لسنوات طويلة ظل اسم البيت يحمل اسم "بيت منتدى المسرح"، أو "المنتدى"، صالة لعرض المسرحيات التجريبية، بعد 9 أبريل نيسان 2003 تحول البيت إلى مقر لوحدات الجيش التي تحرس العقارات والبنوك في شارع الرشيد، رغم أن المسرحيين لم يتنازلوا عنه، في عام 2010 نجح السينمائيون الشباب بإقناع وزارة الثقافة التي تملك البيت رسمياً بتحويل نصف البيت على الأقل، نصفه الجميل المطل على شاطيء نهر دجلة إلى مركز سينمائي لهم، وافقت الوزارة، فيما بقي الجزء الأمامي ثكنة لنوم الجيش.في يوم الأربعاء العذب ذلك، كان الشباب فرحين، يعملون على عادتهم بحماس، ينقلون معداتهم السينمائية إلى البيت، عمال البناء، أوسطوات جدد بدأوا بأعمال الترميم، عدي رشيد ومحمد الدراجي أخبراني بأنهما يحلمان بأن يتحول البيت كله إلى مركز سينمائي، أعرف أن وحدات الجيش تحلم بالأمر ذاته، أن يتحول البيت ذاته إلى ثكنة لها. الجيش بمواجهة أحلام شباب لا سلاح عندهم غير الكاميرا.في السنوات الأخيرة من حياته أراد ساسون أفندي أن يختم حياته بإصدار عملة عراقية وطنية، ولتحقيق ذلك أعد خطة بنظام دقيق، بالفعل وقبل أن يموت بأشهر قليلة في ربيع عام 1932 نجح ساسون في مسعاه(ساعده في تحقيقها يهودي آخر هو إبراهيم الكبير مدير عام المحاسبة المالية آنذاك)،وأصبحت النقود العراقية هي المتداولة بدلا من الروبية الهندية والليرة التركية. كان ذلك أحد الأحلام الكبيرة التي إنطلقت من هذا البيت. من يجلس مع الشباب الذين جلست معهم قبل ثلاثة أربعاءات، من يسمع حديثهم، إصرارهم على تحقيق نهضة سينمائية عراقية، حلمهم بالوصول بالفيلم العراقي إلى مصاف العالمية، سيقول، أنهم بحماسهم ذلك يسيرون على خطى الأوسطة الكبير، وأنهم لم يختاروا البيت هذا عبثاً، لابد لهم من أن يبدأوا من هنا، أليس ذلك هو ديدن البيت هذا: معمل لإنتاج الأحلام؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram