TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > حلم الحرية ما زال على رفٍ مغبر

حلم الحرية ما زال على رفٍ مغبر

نشر في: 8 فبراير, 2011: 05:57 م

كاظم الواسطي فتحنا عيوننا ،منذ الصغر ، على مشهدٍ مقطّع بين الفقر والحلم . جمّلنا تعاسة العيش بفضاء الأمل ، وبحثنا في ثنايا الأحلام ، وبين صفحات كتب الكبار ، عن معانٍ نُقنع بها أنفسنا بأن ما يحدث لن يكون محتوما ، أو يدوم ، على ما هو عليه ، لزمنٍ طويل . وكنا نتحدث بحماسةٍ عما يستحق العيش في هذه الحياة ، ووجوب تمسكنا به مهما يحدث ، وبأي ثمن كان : أن نثبّت أوتاد الفقر بأجنحة الحلم كي تطير بها إلى مكان مختلف ، ينعم قاطنوه بالوفرة ، وكرامة العيش اللائق ، على أرضٍ تبرق بضياء الحرية وسعادة من حُرموا منها عهودا طويلة .
 وكنا نفرح أيما فرحٍ بأحلام يقظتنا، رؤانا الدافقة بنقاء السريرة ، وصفاء الروح ، بلا ذاكرةٍ جمعيّة مشوّشة بالخوف والترويع . ولكن ، ما لم نكن نحسب له جيدا هو قسوة البعض على هذه الأرض ، وما يحفره في نفوسنا من خطوطٍ حمر لخارطة مصالحه المتنامية ، وأهوائه المنحرفة ، فبقينا مذهولين بممارساته الصادمة ، وأهواله المدوّخة : بين سجنٍ وحرب هناك موتٌ يتسع لأكثر من شعب . وبين فترة وأخرى ننتبه،مثل البلهاء ، إلى شيء ما يتهشم في نفوسنا ، ويتحطّم في عقولنا تحت ضرباتٍ خفيّة تهرس بقوتها الغاشمة ذاكرة أجيالٍ منزوعة الإرادة ، وفاقدة للأمل . ومن كان يوما على عرش السلطة علّق أمنياتنا في فضاءٍ معتم لا يستقبل ضوءاً أو طاقةً لتغيير المشهد الذي صنعه بفرض الخضوع المطلق لإرادته ، تحت مجرّدات " المصالح العليا " و" الرسالة الخالدة " و" القائد الضرورة " تلك المجرّدات التي تحوّلت  إلى محرار لقياس حرارة الولاء ، وتحديد مستوى الاعتراض . وبعد كل معاناتنا ، وآلامنا ، وتضحياتنا التي لا تُعد ولا تُحصى بين أروقة الموت الضيقة ، وساحات الحروب المفتوحة على صنوف القتل المختلفة ، مازال البعض يستكثر علينا فسحة الحرية التي حصلنا عليها بعد تغيير صورة المشهد الأول، بالرغم من أن هذا البعض قدم بحماية قوة أخرى ، وتم انتخابه من المواطنين باسم مشروع الحرية ، وإعادة كرامة وكبرياء العراقي الذي تعرّض للإذلال طوال تلك العهود . ولكن يبدو أن القادمين من أماكنٍ لا نعرف كل أسرارها  يتمتعون بقدراتٍ استثنائية ، وجرأةٍ عالية لا تقيم وزنا لأخلاقياتنا في السياسة والمجتمع ، ولكنهم ، والحق يقال، يجيدون الانقضاض على الغنائم ، وهم أسرع من الريح  في الكسب غير المشروع، وتولي المناصب ، غير آبهين بحياة الغيرمن حولهم ، باستغلال انبهارهم ، وقوة صدمتهم بما جرى،لإعاقة تفكيرهم باستعادة أحلامهم الضائعة،وخداع مشاعرهم في القبول اللامشروط  بالواقع الجديد الذي هيأت له وسائل الإقناع الدينية ، والطائفية ، والعشائرية ليكون البديل الوحيد عن الإرهاب الذي يفتك بحياة وممتلكات المواطنين ، والسد المنيع في وجه من يريدون العودة بنا للوراء ، بالرغم من استمرار قوى الإرهاب في عملها الإجرامي ، وتسلل الكثير من عناصر النظام السابق إلى المؤسسات الحكومية دون اعتذار أو إدانة لما حصل إبان العهد الدكتاتوري . ولكن يبدو أن ذلك يتيح للقادمين " من أجل الحرية "  فرصاً أفضل للتسلل ، أيضاً ، إلى الموقع الأنسب ، والمنصب الأعلى ، ليعيدوا ذات المشهد ، ويعزفوا على اسطوانة  الحرمان ذاتها . ولكن ، هذه المرة ، تحت تجريد " الديمقراطية " و" حقوق الإنسان " التي يريدون تجميد زئبقها على حرارة الولاء للماضي ، وتفسيرها بمنهجياته النصّية التي لا تقبل رأياً أو سلوكاً يتعارض أو يمس بمقولاتها الأحادية المقدسة .كان علينا – نحن المنذورين للحلم الإنساني – أن نكون أكثر فطنة، وألمع ذكاء، بأن نخلق في عقولنا رادارات حساسة للرصد وكشف ما ينوي ويخطط له العابثون بحياتنا ، وأن نصنع – ولو باستعارة منجزات الخيال العلمي – مسباراً ضوئياً يُنير ظلمات عقولٍ لا تعتبر من درسٍ ، ولا تعنيها حقوق الآخرين ، بل ما زالت تركن الحقوق ، والحريات على رفوفها المغبرّة .وحالما يطالب المواطن بحقه ، وحريته ، المكفولتين من الدستور ، أو يحاول ممارسة بعض منها ، حتى ينبري الغارقون في غبار الأزمنة الميتة ، والغارفون من منجزات فن الطبخ الحديث كل ما لّذ وطاب ، بانفعالية وتوتر لمواجهة هذه المطالب بوصفها خروجاً عن " بيت الطاعة " ، وتمرداً على أولي الأمر ، الممسكين بزمام " الديمقراطية " المنتعشة على الورق الصقيل ، وفي جلسات الاسترخاء المسائية . وإلاّ ماذا نطلق على منع فعاليات سيرك أجنبي قطع أفراده كل هذه المسافات الطويلة لترفيه ، وتسلية مواطنين لم يجدوا فرصة للفرح وسط الحروب ، والأمراض ، وسوء الخدمات  ؟؟ ولماذا تستدعى فرق فنية من خارج العراق ، يتم صرف أموالٍ طائلة على دعوتها ، ثم تبلغ بمنع ممارسة فعالياتها الفنيّة التي جاءت من أجل تقديمها لجمهور أضنته المفخخات ، والأزمات اليومية ؟؟ إذا تصدى لنا أحدهم بادعاء أن بعضاً من الجمهور لا يريد هذا النوع من النشاط ، فنحن نقول له بأن هذا البعض نفسه يصرخ ليل نهار من انتشار الفساد المثير للجدل في مرافق حياتنا المختلفة ، ويعلن ، بصوت عالٍ ، عن تردي الخدمات الذي أرهق كاهل جميع المواطنين . فما الذي تم تحقيقه من المؤسسات المعنية في هذا المجال ؟؟ أسئلة كثيرة يواجهها صمت أكبر !!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram