علي عبد السادةلم تحضر المقولات والتنظيرات عن المثقف الثوري في خضم توهج الحركات الاجتماعية المستهدفة للتغيير.بعد انتصار ثورة الياسمين، باتوا يتعاطون في تونس مفردات جديدة تستفز الوسط الثقافي، يقولون إن الثورة تجاوزت المثقفين ولم تعتبرهم. الحراك الثائر جعلهم يتفرجون وحسب.بينما لا يزال مقعد المحرك والمحرض المدني في العراق فارغا ولا تشغله النخبة.
طوال سنوات استغرقنا في الترويج لفكرة سقوط الماركسية التقليدية التي تعظم من دور وفاعلية العمال والفلاحين، وقلنا ان الماركسية الجديدة وضعت المثقف في الصدارة واوكلت اليه جميع اسباب التحول، وراح الجميع يتغزل بـ"غرامشي" وأصول المجتمع المدني. هكذا جمد العمال في براد البطالة، وجلس المثقفون في ورش عاجية نائية بذريعة الاغتراب. ولم يحدث شيء، ووجد الأصوليون والمتطرفون الدينيون وعرابو الديكتاتوريات فرصتهم السانحة للبقاء والنمو.بعد ذلك قلنا ان الماركسية الجديدة اكثر ملائمة لعالم اليوم، أشد قربا من تطلعات التغيير، وتناغمت مع الحاجة المعاصرة الى معالجة السكون المجتمعي إزاء رسوخ الأنظمة الشمولية وقدرتها على الديمومة، لكن هذا لم يكن على حساب احتراق المثقفين وقودا للتحولات.هكذا انشغلنا بالتعريف، وصرفنا الكثير من المصطلحات لنتوصل ايهما اصح وانسب لنا: القديم، لنعتذر لليسار الكلاسيكي؟ ام هو هذا المحدث المزعوم لنقول لا للحرس الهرم. هكذا سار الماء من تحت اقدام النخبة الثقافية، ولم يعترف الشارع بزمنهم وسكونهم، واختار لحظته المقرونة بالحاجة والمصالح. وحلق بعيدا ليلقن صالونات (المبدعين) درسا في كيفية الحياة.العالم اليوم لا يحتاج الى مزيد من العزلة، لا يحب مشتغلين في الثقافة يتحجرون في مكاتبهم، او يتزلفون ليافطات الحكومة. العالم اليوم مهووس بجيل يضع "التحرر" والمواطنة على رأس الاولويات شأنها شأن الخبز والماء. العالم اليوم، وهو كائن شبكي معولم يجتمع بسرعة الفيس بوك والبريد الالكتروني، لن يبقي مكانا للقابعين في علب جاهزة.اتذكر ان تشكيليا دعاني لزيارة معرضه بعد عشرة أيام من تفجيرات واسعة في الحلة، وبينما أسمع حماسه وهو يبلغني الدعوة، شعرت انه يحمل، باللون، رسالة ما. ربما سيقول شيئا، او انه سيأتي بلوحات تقاوم سريالية الموت العراقي. أبدا لم يكن شيئا من هذا، كان معرضا انطباعيا، اذ لم ينس هذا الصديق اجازته في برلين.بينما لا يسعني، في المقابل، المخرج خالد يوسف حين قال، دامعا، انه لم يستطع ان يكون سينمائيا ليحمل كاميرته ويعتلي سقوف العجلات والدبابات ليصور مشهد ميدان التحرير وهو يزهر بالرؤوس واليافطات ويسجل دوي التغيير من حناجر الفتيان، قال انه لم يتمكن الا ان يكون "مواطنا". كان هذا تداركا سريعا للعنة هروب الثورات عن المثقفين. فهذا زمن يصنعه جيل يخدعك بروده وتحتال عليك بلادته.أظن، في ظل هذا النوم الثقافي الطويل، ان حاجة كبيرة لإعادة تعريف دورنا، بل اعادة صياغة فعلنا الثقافي وتخليصه من هواجس السلطة واطر المهرجانات والمنتديات التي لا تتجاوز كونها (ملهاة) تستأنس النخبة بموسيقاها. وتعديل الساعة الثقافية على توقيت المجتمع.أظن ان تعاريفا بالية ارهقتنا، ودورا عقيما أتعب اشتغالنا، وقوالب جاهزة حطمت ادواتنا، ومحفوظة للاغتراب والعزلة رمتنا بعيدا، حان وقت نسيانها والانتباه لدور اكثر قربا منا، أشد تمسكا باحلامنا. هكذا نهدد احتكار الطغاة لمصائرنا. فهم أكثر راحة في غيابنا.
بالعربي الصريح: ساعة المثقف المتأخرة

نشر في: 8 فبراير, 2011: 07:51 م







