إحسان شمران الياسري أنا لا أعرف كيف تُخطط أمم الارض لحياتها ومستقبلها، لأني لا أعرف كيف تخطط امتنا العراقية.. وفي العراق اسمع ان هناك خططاً خمسية وسنوية، وفترات أخرى دون الخمس سنوات، وربما أكثر منها. ولكني أفكر في خطط أبعد من هذه الفترات التي تعتبر قصيرة للغاية. أفكر بخطط لقرن كامل، أو لقرن ونصف القرن..
ولو إننا باشرنا التفكير جديا في التساؤل (كيف تُخطط الامم)، لوصلنا الى اجوبة مفيدة. دعوني أتساءل: هل تخطط دولة كبرى مثل أمريكا لخمس سنوات فقط وتترك الباقي للظروف والزمن وأولاد الحلال؟ أم تخطط لقرن.. ولا يقول لي أحد إن أمريكا لا تخطط لأن نظامها ليس (إشتراكي).. لأنه كمن يقول إن (سيد مهدي) لا يشرب الماء لأنه (يصبغ شواربه!!).ودعوني أتساءل: هل ينبغي أن يخطط الجيل للزمن الذي يعيشه هو، أم يخطط لما يعني أولاده وأولادهم، وأحفاده وأحفادهم (هذا للتوكيد لأن أولادهم أحفاده).أعتقد إن التفكير لأقل من قرن هو (تخطيط) عبثي يحمل في طياته عوامل فناء فرص التطور (فضلا عن فناء الامة).. لأننا بمثل هذا المنهج لا نفترض ولادة أحفادنا، ولا نتحسب لحياتهم ومتطلباتهم، وبقية احتياجات لهم ولبيئتهم وأمنهم وسلامتهم وثقافتهم وتعليمهم.وحتى التخطيط الذي عملنا به كان بجانب (العارضة)، كمن يثرد خارج (الطشت).فعندما درسنا في الثمانينات في كليات الادارة والاقتصاد، كان احد الدروس يتحدث عن الجدوى الاقتصادية التي أنشأنا (وننشئ) المصانع بمقتضاها، حيث تنتهي الدراسة الى إن إنتاج المصنع سيغطي حاجة السوق المحلية ويُصدّر الباقي الى دول الخليج العربي!!.. وكان مثل هذا الحديث عن جرارات (عنتر) وسيارات (سكانيا) وتلفزيونات الصناعات الإلكترونية ومبردات الصناعات الخفيفة. ولم يكن في هذا أي خطأ سوى إن دول الخليج العربي كانت تتعامل مع المنتجات الامريكية والالمانية والايطالية، ولاحقا اليابانية.. واذا جاء مزاجهم يشترون المنتجات الفرنسية والانكليزية.وكل هذا، لا يقلل من شأن المشروع الوطني العراقي في النهضة الصناعية، إلا إن إطروحة تسويق الصناعة الوطنية عبر منفذ التسويق الخليجي كانت غير موفقة بسبب عبثية التفكير او التعامي. أنا لا أعتقد ان العراق يفتقر الى مُخّططين ستراتيجيين او علماء في التخطيط وبقية العلوم التي تقف على تخوم هذا العلم، ولكن العلّة في ان السياسيين لا تعنيهم الأرقام، ولا يكترثون لمدلولاتها.. وكلما عَرض لهم المتخصص قضية تمتد الى ابعد من الغد، قالوا (الله كريم)، في إشارة إيمانية لا يمكن التصدي لها، وهم يتناسون ويجهلون ان رب العزة خطط لمحنة مصر في القحط قبل اكثر من اربعين سنة من وقوعها على ما يذكره القرآن الكريم والتأريخ.. فوضع في قلوب أخوة يوسف (عليه السلام) العداوة كي يُلقوه في الجُبّ، فيلتقطه السيّارة، فيأخذوه الى مصر، وهناك يصبح ذلك الطفل، عزيزاً لمصر، ويُنجيها من القحط عبر تفسير حلم الفرعون.. فهل في قصة يوسف أدنى شك لتدابير الله تعالى وإصراره على التخطيط، وكيف أوحى لنبيّه الكريم أن يترك السنبل على حالته كي ينتفع الشعب لاحقاً من الحبوب وبقايا القش؟! إن قضية التخطيط يجب ان لا تقتصر على خطط قصيرة او متوسطة الأجل، بل علينا ان نخطط لمئة عام، لأننا، بمشيئة الله تعالى، ماضون إلى (تفريخ) الأجيال المسكينة التي لم نترك لها إلا المشاكل والمآسي وضيق الشوارع ونقص الخدمات وندرة فرص التعليم وعجز الأخلاقيات، وفلسفات الفساد والتآمر والنَفس القصير واللسان الطويل.rnihsanshamran@yahoo.com
على هامش الصراحة :كيف تخطط الأمم؟

نشر في: 9 فبراير, 2011: 04:49 م







