هاشم العقابيرياح التغيير، التي هبت من تونس ثم من مصر، لم تشذ عن قانون هبوب الرياح الطبيعية. فالاخيرة تخضع لقانون فيزياوي يقول ان الرياح تتحرك من منطقة الضغط الجوي المرتفع إلى منطقة الضغط الجوي المنخفض. والاولى ايضا تخضع للقانون ذاته، لكن المحرك فيها هو الضغط الشعبي بدل الجوي. ومن هنا فان الضغط الشعبي اذا ارتفع سيرعب الطغاة، الذين يعانون من انخفاض شديد ومزمن في مستوى الحس الانساني.
كنا نسمع مجرد سماع بنشيد "اذا الشعب يوما اراد الحياة"، لكننا اليوم لا نحتاج الى تلك الـ "اذا" ولا ذاك "القدر". نحتاج فقط ان نحج الى كعبة الاحرار في ميدان التحرير. وهناك سنستلهم الارادة الماثلة في عيون الشباب المبتسمين بوجه السماء. وسنجدها في تطلعات الشابات اللواتي نثرن شعورهن للريح لينعمن بدفء كن قد افتقدنه من سنين، فازددن جمالا وتألقا وبهاء. حتى الاطفال هناك يضحكون للهواء الذي هو ايضا ما عاد ملوثا برائحة انفاس المخابرات والبلطجية. فالصباح صار أحلى، والظلام أجمل لانه يحتضن الأحرار. هناك، وباختصار، تجد ان الانسان قد ولد توا.ففي ميدان التحرير ولد انسان جديد يرفع راية الحرية ويلوح بيديه لشعب عربي آخر ماسكا شراعه بانتظار رياح التغيير لتبحر به صوب الخلاص. شعب يحيطه الظالمون والظلاميون الذين تشم فيهم رائحة الجهل والدم التي تزداد عفونة وهي تخرج من انفاسهم المرتجفة. مرعوبون لان كراسيهم الخاوية وملياراتهم الفاسدة ما عادت تنفع في صد الريح الآتية من هناك. يرتجفون لان بضاعة التخويف ما عادت لها سوق للشراء أو البيع. وجوههم صارت عصية على كل أنواع عمليات التجميل الجسدية والنفسية. عيونهم أعماها قلق انتظار الرياح القادمة بالحرية، مثلما أعمتهم جيوبهم المثقلة باموال الوطن المنهوبة. مقياس الضغط الشعبي ينذر بالارتفاع. فما هي الا ان يرتفع درجات قليلة، وسوف لا يجد الشعب بديلا غير ان ينهض، ولا يجد الطغاة سبيلا غير ان يرحلوا. وبرحيلهم سيرحل القرف والغثيان والكوابيس. وسيرحل المزورون واللصوص ومصاصو الدم والنفط. وسيتبعهم السفلة والمنحطون والنصابون والصكاكة والعلاسة والمرتشون واعداء الحرية.سيرحلون، وستعود الطيور لاعشاشها والاعواد تحتضن اوتارها. وستمتلئ الحدائق بالعشاق. وتعود اغاني الحب التي فارقت الشفاه. وتشرق شمس اخرى تكتب بضفائرها على الأرض:يا اطفال كل العالم يحلوينالظلمة ما تكدر تسد كل الروازينوان كانت مصر، بعد يوم الخامس والعشرين من يناير، غير مصر التي قبله، فاليوم كل انسان في الوطن العربي كان قد ارتضى السكوت او الصبر على الظلم والهوان، هو الآخر، لم يعد مثلما كان.التغيير الأهم الذي قلب الموازين ولم يقعدها هو ان الشعب العربي، ولأول مرة بتاريخه، يثور من اجل انسان، لا من اجل الايديولوجيات. حلم كان ان نراه يتظاهر من اجل بائع خضار. انه انقلاب حقيقي في الحس الانساني العربي.ولمن يريد ان ينعش نفسه التي اتعبتها مطبات القهر، ما عليه سوى ان يتابع احداث ميدان التحرير قبل ان ينام لينعم باجمل الاحلام. ثم يعود لها حين يستيقظ ليكحل عينيه بصور نعمة التغيير التي اشرقت على وجوه المصريين واثمرت في حواراتهم المتحضرة وأغانيهم. انها لوحة انسانية تبيح للنفس ان تخلع ثوب الهم وتتذوق طعم الحياة لاول مرة. فمرحى لرياح التغيير، التي اعادت مصر الى ان تكون ام الدنيا بحق، بعدما عاشت عقودا اما للقهر والحرمان. عقبالك يا بغداد.
سلاماً يا عراق: عقبالك يا بغداد

نشر في: 9 فبراير, 2011: 08:32 م







