TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > 25 يناير درسٌ جديد للحرية

25 يناير درسٌ جديد للحرية

نشر في: 15 فبراير, 2011: 08:00 م

كاظم الواسطي لنقل ، بصراحة ، إن الإحتجاجات والإنتفاضات الشعبية التي تشهدها المنطقة العربية ، اليوم ، من أجل تغيير أنظمة الحكم الدكتاتورية التي ضيقت على أنفاس المواطنين عقودا طويلة ، وانتزعت منهم أبسط حقوقهم ، وحرياتهم ، تمثّل نقلة نوعية في مسار حركة الإصلاح والتغيير التي يقودها شباب غاضب قضوا أعمارهم في التهميش والإقصاء من حكامٍ لم يضعوا في حسابهم التفكير بمصير الناس ، والطريقة التي يعيشون فيها .
إن الطريقة السلمية التي عبّر بها هؤلاء الشباب عن مطالبهم المشروعة في إرساء دعائم الديمقراطية ، والتداول السلمي للسلطة، ووجود برلمان منتخب ، بنزاهة من الشعب ، ويحكم باسم هذا الشعب الذي له كل الحق في محاسبة الفاسدين والمفسدين في كافة مجالات الحياة . نقول ، إن هذه الطرق السلمية في مواجهة تراكمات الاستبداد والقسوة ، تشكّل الآن منعطفاً جديدا في تاريخ المنطقة السياسي والسوسيو - ثقافي الذي ارتكز في تأسيسه على الإنقلابات العسكرية ، وثقافة الثكنة .نعم ، إن انتفاضة 25 – يناير السلمية التي يقودها الشباب المصري والتي أطاحت بنظام حسني مبارك قد أخرجتنا من معطف الانقلاب الدموي إلى رحاب المواجهة الشعبية المسالمة التي فتحت الأبواب مشرعة لكشف الحقائق ، وإظهار ما كان مسكوتا عنه ، ومخفياّ في أروقة المؤسسات القمعية . وبيّنت لنا بوضوح كم هي هشّة هذه المؤسسات ، التي توارت رموزها القمعية في الشوارع الخلفية حالما تراءت لها ذنوبها يوم كانت تجلد ، وتعذّب من تشاء دون وازعٍ من ضمير – وهذا ما حصل لدينا بعد التغيير مباشرة، حيث تبخرّت الأجهزة الأمنية ، بل والعسكرية أيضا خلال ساعات قليلة وتركت الباب مفتوحا لعمليات السلب والنهب ، وقبل صدور قرار بريمر بالحل والإجتثاث – إنه الخوف من الطرائد التي لاحقوها ، وتركوا في أرواحها وأجسادها ندوبا لا تُنسى . ولكن مشكلتنا كانت في تغييب المبادرة الشعبية ، وتقييدها من قوى ادعّت قيادة عملية التغيير باتجاه خدمة الشعب ، وتثبيت حقوقه وحرياته عبر استخدامها لآليات تنظيمية تجنبنا الإنفلات الأمني ، وفوضى ما بعد التغيير . وساعد على تصديقنا لما يُطرح علينا ، حالة العزلة ، والإنغلاق على الذات ، التي عمّقّها النظام الدكتاتوري من خلال غياب وسائل الإتصال الحديثة ، وعدم وجود شبكة انترنيت للتواصل مع العالم ، وحظر تأسيس منظمات المجتمع المدني ، ومنع الوسائل الإعلامية المستقلة ،وهذه العوامل لها دور مهم  وأساسي في تنظيم وتطور الأحداث الإجتماعية والسياسية  – وها ما نراه بوضوح في انتفاضتي تونس ومصر عبر المتابعة اليومية المباشرة لمواقع التواصل الاجتماعي العالمية – الفيس بوك وتويتر واليو توب - .عاشت شعوب المنطقة العربية تحت ظل أجواء الخوف – وبرأي الشاعر أدونيس إن الخوف موت قبل الموت – واستخدام القوة المفرطة التي تمنع مؤسسات القمع بوساطتها أيّ تعبير عن رأي مخالف ، وتلتزم جيدا بسياسة فرض الصمت على الشعوب ، وجعل الناس متماثلين في حظيرة واحدة ، لا تسمح لأحدٍ ، وسم فيها بوشم القطيع ، أن يخرج منها سالما ً . وظلت معادلة المطارِد – بكسر الراء- والطريدة الكسيرة هي التي تحكم علاقة أنظمة الإستبداد بالمواطن ، وتركت لنا هذا العدد الهائل من الشِراك ، والفخاخ المنصوبة في كل زاوية وشارع . إن الوعي الجديد للشباب العربي ، وتفاعله مع أدوات عصره ، وإحساسه بأن هناك حياة أخرى غير هذه الحياة التي فُرضت عليه قسرا ، وجعلته لا يعرف سوى طعم الذل المرير الذي عاشه كل هذه العهود ، هذا الوعي المنشغل بمقارنة مشاهد الحياة في كل مكان من عالمنا الذي بات بحجم الغرفة ، بل بحجم شاشة الكومبيوتر، قد أخلّ بهذه المعادلة المهينة ، معادلة المفترس القوي والضحية الضعيفة ، باحثا عن علاقة جديدة بين مواطنٍ قويّ بحقوقه وحرياته ، ومستبدٍ مهزومٍ بأدوات قمعه التي صارت سبباً كافياً لنبذه من أدوات العصر المحررّة للعقل من قيود الجغرافيا ، والحدود الأمنية المغلقة. إن إعلان الحرية بالمعلومة والاحتجاج الشعبي أصبحت أمضى وأقل خسارة من إعلان الحرب بالسلاح وتخريب مظاهر الحياة التي كلّفت البشرية الكثير من الخسائر في الأرواح والممتلكات . بل أنها تترك مساحة أوسع للسلام بين أبناء الشعب الواحد خارج تأثير القوى المتزمتة التي تتصارع من أجل الاستئثار بعملية التغيير ، وقطف ثمارها داخل مساحاته النفعية الضّيقة . إنه درسٌ جديد للحرية علينا قراءته جيداً .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram