شاكر لعيبيثورتان متواليتان وقعتا في العالم العربي ونجحتا بشكل ساحق، بينما الجميع بانتظار تغيرات كبيرة مماثلة أخرى خلال الشهور القادمة. في أساسهما يقع الانتفاض على الفساد وتضخُّم السلطة ومكوث أصحابها فيها دون وجه حق، ولوقت يليق بالديناصورات ما قبل التاريخية.الآن، ألا يتوجب القيام بثورة في الحقل الثقافي، "ثورة ثقافية" ضد الإفساد الثقافي وتضخّم سلطات المؤسسات المرجعية العربية ومكوث المعنيين في الإدارات والصحف والأقسام الثقافية لوقت يُقارن فقط بزمن الديناصورات؟.
لا يمتلك المرء إلا أن يشعر بالسرور لأن بارقة أمل بدتْ في الأفق، مع الملفات الإشكاليّة التي دأبت القليل من الصحف العربية على طرحها. ومنها تلك المتعلقة "بالفساد الثقافيّ" المستشري، ومثلها على سبيل المثال لا الحصر تلك التي تنشرها جريدة "الغاوون" الشبابية، خاصة وأنها تجيء من جيلٍ بدا في عيون الكثيرين من دون مسؤوليات، بل بدا في عيون آخرين في حالة "سيلان" وغيبوبة.لا يستطيع كائن منصف سوى أن يدافع بصوت عالٍ عن الملفات المناهضة "للفساد الثقافي" طالما أنها تمثل صوت جيل من الشباب الذين يمنحون الكثير من الأمل.في العراق يمشي الفساد الحكومي مع الفساد الثقافي بالتوازي، خطوة خطوة، حتى وصل الأمر إلى محاولة التلاعب بتاريخ اتحاد الأدباء العراقيين، وإيجاد بديل له تحت مزاعم صحيحة ظاهرياً: التعددية والحرية في تكوين الجمعيات. لا أعرف لماذا لا يقدّمون مقترحات خلاقة؟، سوى أن يوجد دافع محض طائفي يزعم الجميع أنه في منأى عنه. لا يحتمل الأدب سوى وظيفته، وهو لا يطيق الوظيفة التبشيرية بعقيدة معينة، خاصة في بلد متعدد الطوائف مثل العراق لا تصح فيه مصطلحات مثل الأدب الإسلامي، والأخير مقترح لم يظهر في العراق إلا على حياء في العقد الأخير وفي منفى أحزاب معروفة، وظهر بالأحرى في بلدان عربية لم تعرف إلا الديانة الإسلامية لشعوبها العربية.فساد آخر: ليس سوى عقلٍ لا يعرف قراءة ما وراء السطور، ساذج وغير قادر على تحليل الأساليب، بل غير منتبه إلى التواريخ، من يظن أن جُلّ "تعليقات القراء" في أحد المواقع العنكبوتية، هي من تأليف أشخاص متعددين. إنها، حسب روح النصيحة فيها والمدائح العالية لذات المشرف على الموقع، من تأليف شخصٍ واحدٍ لا غير. ألا يدخل إذن في ملف "الفساد الثقافيّ" الصافي أن يكتب بعض المعنيين غالبية التعليقات تقريباً، وأن يستغل من كتب تلك التعليقات منبراً ثقافياً عاماً لصالح حساباته المحض، رامياً في سلة المهملات ما لا يعجبه. وحول النقطة الأخيرة يمكن تقديم البراهين الدامغة. إن قناع الاسم المستعار وحجاب النيت "ما بعد الحداثي" يصيران دالّة شديدة الوضوح على وضعيةٍ سيكوباثية فاسدة في العالم العربي، من بين الكثير من الفساد الآخر. وعوداً إلى المطبوعات الشبابية التي لا يقيم العرف الثقافي المترهل شأناً لها، المذكور مثال لبعضها أعلاه، نقول بأننا نعرف أن المرء يمشي بين حقول للألغام عندما يصدر مطبوعة واضحة المعالم في العالم العربي. سيتعقد الأمر إذا كانت المطبوعة تهتم وتشتبك بوسط وعر، لا يمتلك في الغالب فضيلة التواضع، ويفتقد بشكل عام روح النبل والفروسية والكرم. هاته المفردات التي تغيْبُ ويغيِّبها البعض على أساس رفض مبهم "للبلاغة" والأيطيقيا كلتيهما، رغم اكتمالهما بالمعاني المشعِّة. نعرف أن معركة ضد "الفساد الثقافي" ستؤوَّل على أساس المعتركات التي يختلط فيها الحابل بالنابل، وتلتبس فيها الأدوار عمداً ويُقيّم أشخاصها على أساس المنافع الزائلة والزائفة، أو سيؤوَّل انطلاقاً من الأمزجة الإقليمية العربية. لكن سجالاً ثقافياً واضحاً ضد الفساد الثقافي المعمَّم يصير ضرورة حاسمة. وسنرى نتائجه بعد حين.
تلويحة المدى :مع الفساد السياسي ثمة الفساد الثقافي السيكوباثي

نشر في: 18 فبراير, 2011: 06:01 م







