حازم مبيضين خطوة تأخرت كثيراً, ظهر العقيد الليبي معمر القذافي على شاشة فضائية الجماهيرية, التي مهدت لذلك الظهور بمجموعة من الأغاني تميزت بالسذاجة وتغنت بالقائد, وياليته لم يظهر عند الساعة الثالثة فجراً جالساً داخل سيارة عسكرية, ويرفع خارجها مظلة بيضاء, ليؤكد لأبناء شعبه الذين يتظاهرون ضده في الشوارع, أنه ما يزال في طرابلس,
يقود معركته الخاسرة ضد إرادتهم, معتمداً على جنود مرتزقة استقدمهم من فقراء الدول الافريقية, وهو ربما يكون قد هداهم إلى الاسلام ودفع لهم ثمن ذلك, وكلفهم بالدفاع عنه باعتباره ملك ملوك إفريقيا, وإمام المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, بعد فقدانه إمكانية التمتع بمزايا لقب أمين القومية العربية, الذي كان خلعه عليه الرئيس المصري جمال عبد الناصر. القذافي في ظهوره لأقل من عشر ثوان, ومن تحت قبعته الروسية, أعلن بلغة سوقية متكبرة أنه كان يريد الذهاب إلى الساحة الخضراء, والتحدث والسهر مع جماهيره, وكأنها كانت تشهد حفلة سمر, ولكن يبدو أن هناك مطرا منعه من هذه المتعة, على العموم بشرنا أنه موجود في طرابلس وليس في فنزويلا، ولا تصدقوا الإذاعات المغرضة.. هؤلاء الكلاب الضالة, بهذه الكلمات ختم القذافي سهرتنا التي امتدت إلى ساعات الفجر الأولى, بعد أن أعلن تلفزيون جماهيريته العظمى أنه سيلقي خطاباً للشعب الليبي, وبعد ساعات من الانتظار خرج لتلك الثواني المعدودات ثم أغلق باب سيارته ولم يظهر ثانية, وكان هذا واحداً من أفضل قراراته.في عصر الفضائيات والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي, اختار القذافي فجر الثلاثاء ليمتعنا بصورته البهية لثوان معدودات, وكأن الشعب الليبي لا يستحق أكثر منها, خاصة وهي تطمئنهم على صمود العقيد في وجه إرادتهم, وأعجبني تعليق لمواطن ليبي على إحدى الفضائيات على قصر فترة الخطاب حين قال, إن القذافي الأب كان يخشى قذف شاشات التلفزيون التي يظهر عليها بالأحذية كما حصل حين أطل إبنه سيف على شاشة الجماهيرية مهدداً بحمامات دم, فرشق الناس صورته بأحذيتهم, وانصرفوا إلى مظاهراتهم غير عابئين بتهديداته الفارغة من كل مضمون. يتمسك القذافي بسلطاته المطلقة, رغم مزاعمه بأنه سلمها للشعب, ويطل علينا ابنه مهدداً وهو لا يحمل أية صفة رسمية تخوله ذلك, ويخرج علينا موظف في خارجية الجماهيرية ليؤكد أن طرابلس تنعم بالهدوء, فيما تنقل الفضائيات أنها تقصف بالطيران الحربي, ويدعو الإعلاميين لزيارة بنغازي بعد يومين أو ثلاثة, متوهماً إمكانية وأد الثورة فيها بعد أن تجاوز عديد ضحاياها, قبل أن تتمكن الجماهير الحقيقية من السيطرة على الامور, وطرد المرتزقة من محيط المنطقة, وكأن بعض المومياءات التي تتحكم في عالمنا العربي غير قادرة على تعلم الدروس الماثلة, وإلا فما الذي يمنع العقيد الجماهيري من الاتعاظ بما جرى لمثيليه في تونس ومصر.لا مرتزقة القذافي ولا أبناؤه, ولا إعلامه البائس, ولا وحشية هجمته المضادة ضد أبناء شعبه, ولا التهديد بحمامات دم أو بحرب أهلية, ولا قطع الاتصال بين ليبيا والعالم, ولا شتائمه للاعلام العالمي ووصفه له بالكلاب الضالة, ولا مديحه لبن علي ومبارك, ستمحى من أذهان الليبيين كلمات سيد الشهداء عمر المختار, والمستعمرون يلفون حبل المشنقة حول عنقه الطاهر, حين دوى صوته في كل أرجاء ليبيا " نحن لا نستسلم... ننتصر أو نموت".
فـي الحدث :القذافي ينسى عمر المختار

نشر في: 22 فبراير, 2011: 08:49 م







