يوسف المحمداوي تعودنا في سلطة اللانظام السابق على التعايش والتعامل مكرهين بمفردات حياة الممنوع،وما أكثرها في ظل سياسة الطاغية.السفر مثلا خارج البلد كان بمثابة الحلم العصي وأمنية طمرتها قوانين الممنوع في مقابر الأماني إبان عقود المحنة التي عشناها آنذاك، لكن بعد ان حبانا الله بنعمة التغيير،وجدنا حرية السفرفتحت أبوابها على مصراعيها للجميع من غير استثناء بعد ان كفل الدستور تشريعها خارج أطر المحاصصة و التوافق والمفاضلة.
ثمار نعمة السفر تذوقتها بحلوها ومرها وفي بلدان عدة ،وكانت أجملها رحلتي إلى باريس،بعد ان وجدت نفسي في يوم حزيراني الملامح أطوف زائرا معالم مدينة النور،كل شيء فيها مضيء الا انا،لأني أدمنت المقارنة بما وجدته ورأيته هناك،وبين ما تبقى من أطلال لعاصمتي أو مصيبتي،لأفرق فكلاهما يدفعاني للبكاء،ومع التباين الذي لا أجيد تحديد نسبته لسعته بين المدينتين،كنت أهادن نفسي قائلا( كلنا كالقمرله جانب مظلم)،ومن سوء حظي اني كنت هناك في يوم الموسيقى العالمي،الذي يسميه الباريسيون عيد الموسيقى ،كنت اشعر بحلم لا تستوعبه مخيلتي وأنا أعيش تلك الأجواء ،الكرة الارضية كلها اجتمعت هناك وقررت الفرح حتى الصباح،الشوارع،الساحات،الحدائق،ناهيك عن المسارح والقاعات ودور السينما التي أعدت سلفا لاستيعاب المحتفلين بهذا اليوم،حشود راقصة،من آسيا،أفريقيا،أوروبا،الأمريكيتين،استراليا،كلها تتمايل طربا على الانغام الشرقية والغربية،سود كوقائعنا يعطرون باريس برائحة المسك،بيض كثوراتنا يتعاشقون معهم على إيقاعات الإنسانية،نعم وجدت ملامح لمحاصصة واضحة هناك!،وذلك من خلال تسابق الفرق الموسيقية على تقديم فولكلور بلدانها بأبهى ما يكون.في الشانزليه،تحت برج ايفل وفوقه،على ضفاف السين،كاتدرائية نوتردام،الرئيس ساركوزي يفتح ابواب قصر الأليزيه للمحتفلين ،وهنا ألتفت صوب بغداد،مستذكرا وأنا كدمعة تدور بدوامة الفرح حواري مع احد المسؤولين،حين سألته عن الموسيقى التي يستمع إليها والأغاني التي يفضلها،رد علي بعصبية واضحة(شنو..!ليس من سلوكيتي سماع الموسيقى!)، تذكرت وقلت نحن شعب جبلنا على الحزن ولايحق لنا مثل هذه الممارسات التي تنم عن الفرح ،لكونها مظاهر لا تمت لتقاليدنا بصلة!الكنائس فتحت أبوابها أيضاً وأوقدت شموع الفرح ابتهاجا بالعيد،لتصبح باريس كلها بمثابة مسارح آنية وإنسانية للفرح المجاني، وهنا تذكرت افتتاح احدى محافظاتنا مسرحاً تابعاً للنشاط المدرسي،وأثناء الافتتاح جاهر احد المسؤولين بما يضمر وهو ينظر الى المسرح(الله...الله كم يصلح مغسلا للوتى)،وأنا أعطيه الحق!،بعد ان اصبح الموت مصدر رزق كبير،حتى بات العاملون في حقله من المنافسين الأشداء بثرائهم لطبقة المسؤولين الجدد.وأنا أعيش حالة الذهول بين واقع خيال،وخيال واقع في مدينة اقل مايقال عنها(زرها ومت)،جرني الفضول الى مشهد رجل كان يشارك المحتفلين فرحهم بالعيد،وهم يقدمون له الورود ويحتضنونه بالقبل والابتسامات،وحين سألت عنه قيل لي انه وزير الثقافة الفرنسي السابق جانغ لانغ الذي أسس في عام1982 لهذا العيد ليكون الحادي والعشرون من كل عام يوما للموسيقى،لينتقل من باريس الى اكثر من 170عاصمة ومدينة عالمية من ضمنها مدينة اربيل التي انضمت مؤخرا، وبديهيا كنت اقول مع نفسي يستحق (جانغ لانغ) كل هذا التبجيل والاحترام ،وبديهيا سيستحقه الحاج كامل الزيدي !لو أنه سمح لبغداد بالانضمام لعواصم العالم للاحتفال بالعيد،ولكن الرجل لايستطيع ان يفعلها ،لانه هومن اغلق القاعات والفنادق والنوادي الاجتماعية،ومنع ممارسة مظاهر الفرح في العاصمة،وبالتالي لا يستطيع ان ينهى عن امر ويأتي مثله كما قيل ،ولو افترضنا ان الزيدي وبعد نهاية خدمته التقى بعوائل المسيحيين والايزيديين الذين حرمهم من العمل في تلك المرافق،ماذا سيقول لضحاياه؟،وهل سيشاركهم العوزوالحزن،كما شارك لانغ ضحاياه بالفرح؟يفترض المفكر العظيم الذي رفض اسمه:ان الزيدي سيقول لهم ان المادة(46) من الدستورتقول(لا يمكن تقييد ممارسة اي من الحقوق والحريات الواردة في الدستور إلا بقانون)،وأنا شرعت هذا القانون بالحكم الشرعي الذي يقول(لا إكراه في الدين)!.
بين لانغ والزيدي..

نشر في: 22 فبراير, 2011: 09:49 م







