عباس الغالبي دعوني أصرخ مع متظاهري يوم الجمعة الماضي (وين وين الكهرباء.. يا رئيس الوزراء) وأسترشد بهذا الشعار العريض الذي مثل القاسم المشترك لمطالبات تظاهرات الجمعة في بغداد والمحافظات والتي كانت جلها اقتصادية وخدمية.التظاهرات لم تسترشد بأية مرجعيات سياسية أو دينية ، وإنما نطقت روحاً عراقية و تصميماً وطنياً بامتياز،
وأصبح لا يمكن لأية جهة الادعاء أنها المحفز أو المحرك الأساسي للتظاهرات، كما أن ادعاءات الحكومة التي ظهرت مهزوزة مفزوعة قبيل التظاهرات لم تكن واقع حال، بل كانت تأطيراً مسبقاً وتوصيفاً فارغاً لم يتماهَ مع معطيات الواقع التي أفرزتها التظاهرات.وعود على بدء فأن المطالبات تكاد تكون اقتصادية خدمية في معظمها تتعلق بالوضع المعيشي للسواد الأعظم من الناس، وان كانت ليست بالجديدة إلا أن الأداء الحكومي المتراجع للحكومة السابقة والبدايات المتعثرة للحكومة الحالية هي التي أفضت إلى هذه النتيجة التي عبر عنها المتظاهرون بملء إرادتهم ومن دون تحريك مسبق لأجندات وجهات أعلنت عنها الحكومة سعياً للتقليل من شأن التعبير الحر المستقل الخالي من البعد السياسي.مطالبات الكهرباء والبطاقة التموينية ومكافحة الفساد والتصدي للبطالة هي المشتركات في بغداد والمحافظات الأخرى كافة، وهي بطبيعة الحال قديمة حديثة ليست وليدة الساعة أو جاءت تحت ضغط المرحلة وإنما نتيجة لتراكمات الأزمات والظواهر المتلازمة في الاقتصاد العراقي وآفة الفساد التي ضربت أطناب المؤسسات الحكومية، ومن هنا فأن الحكومة ليست ببعيدة عن هذه الظواهر بل هي في صلب الموضوع إلا أن العجز المستمر للحكومات المتعاقبة والوعود الفارغة التي أعلنت عنها الحكومة الحالية قبيل الانتخابات ككتل سياسية متنافسة وبعد الانتخابات كقوائم فائزة أفضت إلى تشكيل حكومة شراكة بحسب قولهم ومحاصصة مقيتة بحسب العرف المهني والسياسي، كل هذا جعل الجمهور يلجأ إلى الشارع بتعبير سلمي ديمقراطي كفلته الشرائع السماوية والوضعية ومنها الدستور الحالي.إلا أن ما يؤشر في هذا الاتجاه أن الحكومة في خطوة تدل على فزعها وخوفها إذ منعت وسائل الإعلام من التغطية، وأقدمت على غلق قنوات فضائية بدعوى خرق الحظر المفروض على وسائل الإعلام، وقد تكون هذه الخطوة في إطار حجب تعامل القوات الأمنية مع المتظاهرين أثناء التظاهرات وبعدها، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الاتجاه، هل أن اللقطات المصورة التي أظهرتها بعض وسائل الإعلام تتسق مع ما ذكره الناطق باسم الحكومة على الدباغ والناطق باسم عمليات بغداد قاسم عطا في البرنامج التلفزيوني المباشر الذي بثته قناة العراقية ليلاً بعد انتهاء التظاهرات: (بان القوات الأمنية تعاملت بمهنية عالية مع المتظاهرين)، فما تفسير نثر الطائرات المروحية المحلقة على ارتفاعات واطئة فوق ميدان التحرير للغبار، وما تفسير الاعتقالات غير المبررة لعدد من الصحفيين والإعلاميين ومنهم زميلنا في (المدى) علي عبد السادة، وما تفسير وقوف النائب عن دولة القانون كمال الساعدي متفرجاً من شرفة المطعم التركي في ساحة التحرير.ويبقى السؤال الأهم هل انتصرت الديمقراطية، أم سقطت بهذه الحشود التي صرخت مطالبة بحقوقها القديمة الحديثة بإصلاح النظام وتأمين المستوى الاقتصادي والمعيشي اللائق بشعب مثل شعب العراق.لنقل للساسة ولاسيما الطبقة الحاكمة أن تظاهرات الجمعة هي بمثابة جرس إنذار، فلا تستهينوا بمطالبات الشارع العراقي وإذا ما لم تتعاملوا بجدية وعمل دؤوب، فقد يحدث ما لا يحمد عقباه.
في الواقع الاقتصادي :وين.. وين الكهرباء.. يا رئيس الوزراء؟

نشر في: 26 فبراير, 2011: 06:58 م







