حازم مبيضين لم يكن مفاجئاً اندلاع انتفاضة شعبية في ليبيا, بعد انتصار انتفاضتي مصر وتونس المجاورتين, وكان رهان البعض خاطئاً في أولوية انتقالها إلى اليمن أو الجزائر أو البحرين، وكان هؤلاء يستندون إلى ما توهموه من تأييد الليبيين لسياسات القذافي ذات الطابع الثورجي, الداعمة لبعض الفصائل الفلسطينية, والكثير من المجموعات الإرهابية في العالم, ولم يكن مفاجئاً على الإطلاق حجم القمع الدموي الذي تعرض له المطالبون بالتغيير,
والدموية التي تصرف بها مرتزقة النظام الفاسد الذي همش الشعب, واستعاض عنه بإعلام بائس يجيد التطبيل والتزمير للحاكم مهما ارتكب من أخطاء وخطايا, وكان لافتاً موقف الغرب المراوغ في المرحلة الأولى من الانتفاضة, والذي انتقل إلى الضد بعد أن أظهر الشعب الليبي تصميماً شجاعاً على الوصول بثورته إلى نهاياتها السعيدة. سقطت جماهيرية العقيد في اللحظة التي أعلن فيها تأييده لطاغية تونس, ودفنت في رمال الصحراء حين دافع عن مومياء مصر, وكان موقفاه البهلوانيان المتناقضان مع ما يعلنه من دعم لتحركات الجماهير القشة التي قصمت ظهر البعير عند شعب يعيش حالة غليان وتململ منذ عقود, وتتراكم عنده حالة الإحباط نتيجة سياسات العقيد, التي تركت ليبيا العائمة على بحار نفطية بلداً شديد التخلف, رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز الخمسة ملايين كان يمكن لعائدات النفط أن تنقلهم إلى أقصى حالات التطور والرفاهية. وإذا كانت مغامرات القذافي على الصعيد الخارجي قد حولت ليبيا الثرية إلى جمهورية موز غير مؤثرة على أي صعيد وما يرافق ذلك كله من فساد عميم في الإنفاق غير المبرر, سندرك أن ليبيا كانت قبل انتفاضة أبنائها تعيش حالة غليان, بانتظار لحظة انفجار حانت ولم ولن يمنعها كل قمع ودموية وجنون ملك ملوك افريقيا."أصبح رأس النظام العقيد القذافي نجم الكاريكاتير في كل المؤتمرات, لدرجة أن البعض من العرب الرسميين بدأ يتساءل "هل سلوك القذافي غرابة أطوار أم حلقة في مخطط؟"" جمد العقيد بلاده عند الفاتح من أيلول عام 69 ولم يستطع أو لم يرد إدراك أن البشرية انتقلت إلى قرن جديد, وخلال أكثر من أربعين عاماً من حكمه غير السعيد لم يحقق أي إنجاز على كافة الصعد الداخلية, رغم الدخل الهائل من أموال النفط التي كانت تبذر على المحاسيب والمؤيدين الانتهازيين لسياساته القومجية والثورية العالمية, والتي ثبت كذبها عند أول انعطافة حقيقية على وقع التغيير في مصر وتونس, وعلى وقع انكشاف حقيقة موقفه من القضية الفلسطينية, والذي لم يتجاوز يوماً محاولة رشوة بعض الفصائل للسيطرة على قرارها وسحب ذلك القرار من يد منظمة التحرير التي تمردت على دولاراته واحتفظت باستقلالية قرارها, غير أن القذافي تنكر حتى لتابعيه بعد مغامرة صدام حسين في الكويت وفرض الحصار على العراق, والعجيب أن العقيد أدرك في لحظة نورانية آنذاك المتغيرات الدولية, ابتداء من سقوط الاتحاد السوفياتي وتفرد أميركا بقيادة العالم, فسعى للعودة إلى الحظيرة الدولية, ودفع صاغراً تعويضات لعائلات ضحايا لوكربي, وظن انه برفع اسم ليبيا من قائمة الارهاب قد تخلص من تبعات سياساته الهوجاء, وترك مهمة الحديث داخلياً عن الديمقراطية لابنه سيف الاسلام الذي زار واشنطن لإرساء علاقات خاصة برزت في الموقف الاميركي المتردد عند بداية ثورة الشعب الليبي. حتمية الثورة كانت واضحة من خلال تصرفات أبناء العقيد الهوجاء المنفلتة من كل عقال, وهي تتمظهر اليوم في تصدي ابنه سيف الاسلام للتواصل مع العالم متحدثاً باسم نظام أبيه مع أنه لا صفة رسمية له في ذلك النظام – أو بالأصح الفوضى – التي أدت فيما أدت إليه إلى انعدام المساواة بين الفئات الاجتماعية من الناحية الاقتصادية، إضافة إلى انعدام المشاركة السياسية للمواطنين الليبيين في حياة وطنهم, مع عدم احترامنا لما يروج له القذافي حول امتلاك الشعب للسلطة كاملة, وكانت حتمية حين يعرف الليبي حجم الاشمئزاز من دولته في العالم نتيجة سياسات إمام المسلمين, الذي دأب على إطلاق البالونات الكاريكاتيرية كلما سنحت له الفرصة للتواجد بين مجموعة من البشر ولعل أصدق الأمثلة على ذلك دعوته لليبيين للرقص والاحتفال بينما يسيل دمهم على يد مرتزقته والكتائب التي يقودها الأنجال المبجلون.
فـي الحدث : القذافي وحتمية السقوط

نشر في: 28 فبراير, 2011: 06:52 م







