هاشم العقابيكشفت الأحداث الأخيرة التي عمت بعضا من البلدان العربية، ومنها العراق، أن هناك فئة تظن أن الشعب ما زال مغفلا. فعلى عكس ما صار يتميز به الشعب من بساطة ووضوح في التعبير عن معاناته وأهدافه، نجد، بالمقابل، هناك من يلوذ بالخبث "والدهاء" لدس السم بألفاظ تبدو "عذبة" ليستغفل الجماهير.
متابعة دقيقة لتصريحات المسؤولين ومناصريهم من الإعلاميين توحي وكأنهم مع المتظاهرين لكنها بدواخلهم ضدها. أغلبهم يصرح انه مع مطالب الشعب "المشروعة". زين العابدين قال أنا مع مطالب الشعب "المشروعة "وكذلك فعل "مبارك". وكثير من إعلاميي السلطة أيضاً، يلعبون اللعبة ذاتها. سمعت مقدم برنامج بأم أذني يقول: "أنا مع مطالب العراقيين"المشروعة". رغم انه كان مبتهجا لان التظاهرات "فشلت" حسب "توقعاته". الغريب أن مثل هذا القول يكون معقولا لو صدر من مسؤول حكومي، لان مقدم البرنامج ماذا يقدم أو يؤخر إن كان ضد أو مع مطالب المتظاهرين؟هذه الألفاظ المسمومة هي نوع من أنواع "الحسجة" لكنها تمثل الصنف الساذج منها. فمن يقول إني مع مطالب الشعب المشروعة ليس مثل من يقول مطالب الشعب مشروعة.هذه الألف واللام هي بيت السم، لأنها تضع مطالب الشعب في خانات مثل خانتي الحلال والحرام. فالمشروعة عندهم هي من لا تمس "قدسية" الحاكم أو تداعي بتنحيته، لان المس بها "حرام". فحسني مبارك كان يسمع ويرى أن الملايين تنادي: "الشعب يريد إسقاط النظام". ومع هذا يخرج ليقول لهم ببلادة: "إني مع مطالبكم المشروعة" لكنه يرفض أن يرحل. المعنى انه يرى أن المطالبة بإسقاطه ليست في خانة الطلبات "المشروعة". لذا لم يقل "مطالبكم مشروعة".وان كان ذلك "المسكين" يلعب على وتر واحد من الألفاظ، فجماعتنا لعبوا على عدة أوتار لفظية. كان العزف نشازا ومفضوحا على أوتار "الإرهاب" و"البعث" و "الخوف على المتظاهرين". النتيجة هي أن "حرصهم" تتوج بان نشروا "علاسة" محترفين لمتابعة أربعة من الصحفيين العزل ليذيقوهم أصنافا من التعذيب الأخلاقي والجسدي ما كانوا قد تذوقوها من الإرهاب والبعث مجتمعين.تظاهرات المظلومين ليست لعبة كرة قدم، حسب قول متظاهر مصري يافع كنت قد مررت على ذكره في عمود سابق. إنها لا يمكن أن تنتهي بالتعادل أبداً. فإما أن ينتصر الشعب أو يخسر. لذا من يظن أن النتيجة قد حسمت بالتعادل بين المتظاهرين والحكومة يوم 25 شباط واهم.إن امتهان ذكاء الشعوب جريمة أخلاقية وإنسانية لا يمكن أن تمر دون حساب. فعلى من يقر بان مطالب الشعب مشروعة أن يتخذ واحدا من خيارين لا ثالث لهما. أما أن يلبيها بأجمعها أو أن يرحل. أما الحاكم الذي يتصور أن الديمقراطية تعني، فقط، فسح المجال للشعب أن يستعرض عذاباته علنا، دون أن يستجيب لها، ما هو إلا سادي يقرأ التظاهرات على أنها مجرد نزعة مازوخية يريد الشعب من خلالها أن يتلذذ بعذاباته.ربما كان الأمر كذلك قبل ثورة "البوعزيزي"، لكنه لم يعد هكذا بعده.
سلاماً يا عراق: المطالب "المشروعة" أم مشروعة؟

نشر في: 28 فبراير, 2011: 07:21 م







