هاشم العقابيكان المتوقع ان التغيير الهائل الذي احدثته انتفاضة الشعوب العربية قد طال الفضائيات "العراقية"، رغم اعتراضي على وصفها "عراقية" لكني استعملها هنا على قاعدة "خطأ شائع خير من صواب ضائع"، حتى لا ادخل القارئ في موضوع آخر سامر عليه مستقبلا. وكنت اظن انها ستغير اداءها شكلا ومضمونا من "اللوجو" الى طريقة اعداد وتقديم برامجها.
ما ظننته لم يحدث خاصة يوم 25 شباط، الذي كان فرصة قدمها الشعب العراقي على طبق من ذهب لتلك الفضائيات كي تعيد حساباتها وتتخلى عن اسلوب الدعاية وتعتمد اعلاما مهنيا جديدا. يبدو ان الحدث كان اكبر مما تستوعبه تلك الفضائيات، الامر الذي أدى الى تخندقها في خندقين: الأول لمآتم البكاء والآخر للشماتة. اصحاب خندق العزاء نصبوا "الصيوان"، المعد مسبقا" وفتحوا "البدالة"ونادوا: تعالوا يا عراقيين ابكوا على راحتكم. الفكرة العتيقة في اذهان هؤلاء ان البكاء سيقلب النظام او قد يقلب الدنيا. لكنهم نسوا أن الأحزان لا تبني الأوطان، بحسب الباحث رشيد الخيون. أما الشامتون، فهولاء يرون ان "الشرف" الاعلامي يحتم عليهم الوقوف مع "السلطان"حتى لو كان ظالما، وضد المتظاهرين وان كانوا مظلومين.كان هناك درس رائع جسده الاعلام المصري ايام انتفاضة المصريين. كان كل شيء يتغير مع الاحداث. نعم بدأ الاعلام مرتبكا بعض الشيء لكنه سرعان ما استعاد توازنه فصار صوت الانتفاضة يصلنا بوعي وموضوعية ووضوح ونحن في بيوتنا. لم نلمس ان الفضائيات هناك كانت مجرد مكبر صوت لمموليها. لقد اختفت نبرة "البيان الاول" وحلت بدلها الاغاني والرقصات والحورات المتحضرة. وغابت تلك الوجوه المملة التي كأنها "اذا زلزلت الارض زلزالها". قد يتحجج، الحزانى، وليس الشامتين طبعا، ان الحكومة منعت النقل الحي، وهذا ما حدث فعلا. لكننا لو عدنا الى احداث تونس ومن ثم مصر وبعدها ليبيا، لوجدنا ان قنوات مهمة مثل العربية والجزيرة وغيرها قد منعت ليس على الأرض بل في السماء أيضا. لكنها نجحت نجاحا كبيرا يتماشى وعمق التغيير الذي هز وجدان الناس وأيقظهم من نومتهم الطويلة.واضح ان الفضائيات العراقية لم تدرس تجارب الاعلام الجديد ولم تتفاعل مع ما دار أو يدور في المنطقة. بعضها استرجع أيام "صور من المعركة" التي كرهها العراقيون خلال حروب صدام. وأخرى ملأت الشاشة "بعواجل" مفزعة ومضحكة ثم مبكية احيانا. ولأجل ان تكمل "المقتل" الذي اعتادت عليه فتحت كل ما عندها من هواتف ومكرفونات ويا "اخوان ميصير" و "تره والله ما يصير"" و" من فضلك وطي صوت التلفزيون". وعلى هالرنة طحينج ناعم. الغريب ان هذه الفضائيات كانت تنتقد اداء القوى الامنية ضد المتظاهرين، لكنها فجأة تتبع انتقادها بفاصل اعلاني، مدفوع الثمن، يشيد بتلك القوات. أما الفضائيات الشامتة بالشعب، لأنه لم يتمكن من "الانتصار" على القنابل الصوتية والعيارات البلاستيكية وخراطيم المياه العفنة والعصي الغليظة، فلم تنسجم حتى مع "شماتتها". لقد نست ان تمحو شعاراتها العتيقة التي كانت تدعي بها انها "صوت المظلومين" و "بيت العراقيين" لانها اختارت طريقا غير طريق الشعب.
سلاماً يا عراق: طرقة على أبواب الفضائيات

نشر في: 1 مارس, 2011: 05:26 م







