TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > منطقة محررة: السفر ومسدس فـي الرأس

منطقة محررة: السفر ومسدس فـي الرأس

نشر في: 1 مارس, 2011: 05:58 م

نجم والي1-4ما أن تصل الطائرة أجواء العاصمة العراقية بغداد، وتبدأ بالهبوط حتى يستحوذ الخوف على الوجوه،وبدل الثرثرة التي صدعت الرؤوس حتى لحظات قريبة، سيحلّ صمت رهيب لم يقطعه غير صوت المحركات الهادئ، وفقط عندما يشعر المرء بالطائرة تدور قرابة عشر دقائق حول بغداد، يعرف أن الخوف المعلن في المكان لاعلاقة له بالخوف من الطيران،بل أنه الخوف من تعرض الطائرة إلى قذيفة مدفع هاون من الجماعات المسلحة على الأرض (وهم كُثر)،
 "الطائرة ستهبط بشكل أفقي"، قيل للمسافرين قبل الصعود،حتى الآن لم تُسجل حادثة هجوم بالصواريخ على طائرة مدنية في الجو، إلا أن هاجس أن يحدث ذلك يظل جاثماً على الصدر، أنها لحظة الحقيقة التي تواجه المسافر وجهاً لوجه: بأنه منذ الآن سيسافر مع صورة مسدس في الرأس، أما هبوط الطائرة بسلامة فهو بداية وحسب، الصمت سيصاحبهم حتى عند صعود الباص الذي يقلهم إلى صالة المطار، وعندما بكت المرأة التي تزور بلادها بعد سبعة عشر عاماً من المنفى، لم يسألها أحد لماذا؟ فقط عامل المطار، لماذا تبكي؟ سألني وقد رآها تقف إلى جانبي، إنها تطأ أرض بلادها بعد غياب طويل، قلت له، هزّ يده وابتسم،ثم أشار لسائق الباص بالإنطلاق، لكن نظراته ظلت تلاحق الباص، كأنه أراد أن يقول، لنر ماذا ستقول المرأة هذه بعد أيام!أهلاً وسهلاً في بلاد المصائر المجهولة  إذن، ذلك ما سيقوله المسافر لنفسه، حالما يخرج من بوابة المطار ويصعد باص "كيا" الصغير لنقل الركاب إلى ساحة عباس بن فرناس أولاً، التي تبعد بضعة كيلومترات، حيث ينتظره الأهل وسواق التاكسيات، وإذا كانت المدن تقدم نفسها على طريق المطار، فلابد لمنح بغداد أعلى وسام، أول ما يراه المرء عند خروجه جنوداً أميركان مع كلابهم البوليسية، ثم وهو في السيارة سيرى على يمينه جدراناً عالية وأبراج حراسة، سيارات همفري وطائرات هيليكوبتر (عسكرية طبعاً) وجنود مارينز مسلحين، فيعرف أن الحصن الذي يراه هو سجن المطار.عليه أن يصبر قليلاً، يوماً أو يومين، ليكتشف أن العاصمة كلها تحولت إلى حصن، أحياء كاملة أحاطتها جدران كونكريتية عالية، الدخول والخروج منها يستدعي التفتيش، التنقل من حي إلى آخر، أو العبور بين جانبيّ المدينة (الكرخ والرصافة)، رحلة تفوق بوقتها الرحلة بالطائرة من بغداد إلى أسطنبول، رحلة تشترط ضبط النفس، يمكن أن تدوم ثلاث أو أربع ساعات، ثم عليه أن يحسب طريق العودة، لابد من العودة قبل حلول المساء، التنقل بعد غروب الشمس في بغداد مغامرة كبرى تقترب من أفلام الأكشن، وحده مشهد الإختناقات المرورية، سواء بسبب عدد كل هذه السيارات التي فاق عددها عدد سكان العاصمة، أم بسبب تزايد عدد نقاط التفتيش، خاصةً في الأيام الأخيرة التي كثرت فيها جرائم القتل بكاتم الصوت وفي وضح النهار، بعضها على الطريق السريع وبعضها الآخر في الأحياء السكنية، وحده المشهد هذا يثير الرعب ويُسلم الجالس في السيارة إلى مصير مجهول. الناس هناك، تدربوا على هذا المشهد "الإرهابي" بإمتياز يومياً: مشهد الجلوس في سيارة في شوارع بغداد أو على الطريق السريع، سيارة انحشرت وسط ذلك الزحام، حيث يقف السير، لا طريق إلى الأمام أو إلى الوراء أو ما حول، مَنْ يفكر بالخروج من المأزق بترك التاكسي والسير على الأقدام سيكتشف عبث ذلك، لأن التجول في شارع يثير الشبهة عند نقاط التفتيش، (كما حصل لي مع صديقي، المخرج السينمائي هادي ماهود، بعد هربنا من سيارة مفخخة وقفت عند مدخل المسرح الوطني الذي جلسنا في مقهاه، "منو أنتم؟ منين جايين؟ وين رايحين؟ شتتشغلون؟"،

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram