هاشم العقابيأشدّ ما كنت أشتاق إليه، مع فجر صباح جمعة الكرامة، هو أن أكحل عيني بمنظر المتظاهرين تحت نصب الحرية، وما ان تقاطر المتظاهرون حتى وقفت إجلالاً لهذا الجمع المبارك، ثم تبعتها بوقفة خاصة للفنان جواد سليم الذي اعد النصب. هذا الفنان الكبير رحل قبل إن يمهله القدر لحظة أخرى ليرى عمله منتصبا وسط ساحة التحرير. لقد مات قبل أن يراه.
تساءلت هل كان جواد سليم يعرف انه بعد خمسين عاماً سينهض نصبه حيّاً ليحتضن المتظاهرين ويسقيهم من كأس الحرية الأوفى؟كنت قد مررت بلحظة لا اعرف فيها إن كنت احسد المصريين أم أغبطهم على تحررهم من طاغيتهم بجهد مصري خالص. انها شيء كما الحسرة ظل جاثما على الصدر. نسيت المصريين وكذلك حسرتي حين اقتربت الكاميرا (زوم) من النصب وكأن المصور قد استجاب لما كنت أتوق إليه. فها نحن، ان لم نكن قد سبقنا تونس ومصر بالتظاهر، قد سبقناهما بهذا النصب الحي من زمن بعيد. فالمصريون اليوم يبحثون عن نصب جديد للحرية في ميدان التحرير بالقاهرة. اما نحن فقد زرعناه بقلب بغداد قبل ان نتظاهر.ظل النصب صامداً في مكانه بينما كان يرحل ظالم ويأتي آخر. لا يختلف ناقدان ولا فنانان ولا اثنان من الشعب على انه عمل إبداعي هائل. لكنه اليوم، وبعد أن مسّته يد خيرة، ازداد بهاء. انها يد الشعب التي أمدته بالحياة. وهل هناك يد أبدع من من تلك التي تبث الروح بالأشياء؟شاب خرج ماشيا على قدميه قبل ساعات من بدأ التظاهرة، حتى لا تفوته فرصة المشاركة بفعل قرارا "تحريم" استعمال المركبات، صار يبكي. ورغم ان المحرومين من السير عند "رقبة" الجسر تظاهروا عند نقطة منعهم من التحرك، إلا انه ظل يبكي، وحين سئل عن سبب بكائه أجاب: "لأنهم حرموني من زيارة ساحة التحرير". ثم أردف بعفوية عراقية لا تشوبها شائبة: "أريد اوكف جوه نصب الحرية واطلب مراد". يا له من جواب يجعل قلب الحواجز الكونكريتية يتفطر. لكن أنى لها ذلك، وهي بدون قلب يخشع أو أذن تسمع او عين تدمع.قد يحلم الشاعر ان تصبح قصيدته نشيدا وطنيا او أغنية شعبية حية بين الناس. وقد يتطلع الروائي ان تصبح روايته فيلماً عالمياً يهز الدنيا، وقد يأمل النحات ان ما نحتته أصابعه يظل صامدا بوجه العواصف والتقلبات والانقلابات. لكن أن يصبح النصب مزارا، فهذه معجزة وليست حلما.فيا زوار نصب التحرير لكم في كل خطوة ألف ألف حسنة. ولكم في كل صيحة الف الف أجر. ولا تهنوا ولا تحزنوا حتى لو منعتم من المشي صوب مزاركم او حرم عليكم الهتاف، فنصب الحرية سيتكلم نيابة عنكم، لأنه استنشق رائحة عرق أجسادكم الطاهرة وتنفس معكم هواء الحرية العبق.وفعلاً كما قلتم: الما يزور التحرير عمره خسارة.
سلاماً يا عراق : سلاماً يا عراق مزار الحرية

نشر في: 5 مارس, 2011: 07:16 م







